دولة الشهداء تحتفل بيوم الأرض

هناك ثلاث مناسبات هذا الأسبوع أثارت انتباهي ودهشتي لتزامنها معاً، الأولي يوم الأرض 30 مارس/آذار الجاري، والتي تجسد ذكرى قيام العصابات الصهيونية بمصادرة آلاف الدّونمات من الأراضي الفلسطينية، وقيام بعض القادة حينذاك الذين ينتمون (للحزب الشيوعي الإسرائيلي) بالدعوة إلى إضراب عام واحتجاجات ضد مصادرة هذه الأراضي، وبالفعل شهدت فلسطين مسيرات من الجليل إلى النقب، شارك فيها جميع أطياف الشعب الفلسطيني بكل فئاته، واندلعت مواجهات أسفرت عن سقوط ستة فلسطينيين وأُصيب واعتقل المئات،هذا الحدث قبل واحد وأربعين عاماً. عندما كانت فكرة الجهاد غير مُجرمة من قبل سلطات حماية الاحتلال وقمع المقاومة؛ أما اليوم انقلبت الصورة تمام، وأصبحنا أمام فئة من الشعب تحمي الاحتلال وتغتال المقاومة.
وهنا توقفت قليلاً لكي أعود بالذاكرة، واعقد مقارنة ساذجة، من وجهة نظري البسيطة، بين ما حدث في يوم الأرض، وبين ما نشهده يومياً من مصادرة ألأراضي، وهدم المنازل، وبناء المستوطنات دون تحريك ساكناً، سوى بعض الشرفاء هنا وهناك لا يملكون قوة التغيير، وكل قوتهم تكمن في لفت الانتباه إلى هذه الواقعة وأحيائها في عقول وقلوب الأحياء، وقد يجرمون مستقبلاً لهذا الفعل.
 والمناسبة الثانية التي توقفت أمامها هي الاجتماع السنوي لجامعة الدول العربية، والذي يعقد في 29 مارس/آذار الجاري، ووضع الأمة العربية تخطي كل كلمات الرثاء والحسرة، ولكنى أحاول أن ابحث عن كلمات في قاموس اللغة العربية الذي توارى كما تتوارى يوميا أجساد الشهداء، ودماء الحياء من أوجه القادة المجتمعين حالياً على ضفاف البحر الميت الذي يعد أكبر رسالة لهم لو كانوا يعلمون وهم ينظرون إلى هذا البحر الذي سمي بالميت لعدم وجود حياة به تماماً، وهو رمز لـ أل لوط “الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك صوت عذاب” سورة الفجر، ولنا في هذا الشأن حديث أخر، ولهم فيه عبرة.
المناسبة الثالثة هي اعتماد قرارا من الأمم المتحدة لصالح المرأة الفلسطينية على هامش أعمال الدورة الحادية والستين ما بين (13-24 مارس 2017) للجنة وضع المرأة، والتي اعتمدت فيها لجنة الأمم المتحدة المعنيّة بوضع المرأة، قراراً بعنوان “حالة المرأة الفلسطينية وتقديم المساعدة لها”، وهذا القرار لا يخص المرأة الفلسطينية بشكل عام بل يُعنى بالمرأة الفلسطينية تحت الاحتلال.وبمناسبة هذا القرار يحضرني وضع المرأة أم الشهيد، وأخته، وزوجته، وابنته، وصديقته، وكل معارفه بشكل عام، لأجد نفسي أما ما يسمى بدولة الشهداء وهي كل دولة يتطابق وضعها مع وضع فلسطين من حيث نزيف الشهداء المستمر يومياً.
هذا القرار الذي صوّت لصالحه ثلاثين دولة، بينما صوّت العدو الصهيوني بشكل منفرد ضد القرار، وامتنعت (12) دولة عن التصويت، طالب هذا القرار كغيره من القرارات السابقة الصادرة ضد الاحتلال أن تمتثل إسرائيل إلى أحكام ومبادئ وصكوك القانون الدولي ذات الصلة من أجل حماية حقوق النساء الفلسطينيات وأسرهن. وحث المجتمع الدولي كالعادة على مواصلة الاهتمام بالنساء والفتيات الفلسطينيات وحمايتهن من العنف الصهيوني، حيث يقبع في سجون الاحتلال أكثر من 19 أم فلسطينية،…الخ من الجمل الإنشائية التي لا تسهم في تقدم وضع المرأة فعلياً.
واغلب الظن أننا سننتظر طويلاً لنحصل على قرار من الأمم المتحدة تحت البند السابع الذي يلزم هذه الأمم بالتحرك الفعلي تجاه العدو الصهيوني لوقف نزيف الشهداء. حيث فلسطين هي الدولة الوحيدة التي لم يخل فيها منزل من وجود شهيد أو أسير أو جريح أو لاجئ، وهي الدولة الوحيدة التي لا زالت تحت الاحتلال حتى لحقت بها بعض الدول العربية الأخرى، وهي الدولة الوحيدة على مستوى العالم التي بها وزارة شؤون الأسري.!، وهي الدولة الوحيدة على مستوى العالم القاتل فيها معلوم، ويجهر بفعلته، ولا يعاقب، بل يتم الأثناء على جرمه، وتقديره، وتمجيده حتى لحقت بها معظم دولنا العربية التي تستقبل المرأة فيها أبنها، وزوجها، وأخيها، وأبيها، أما شهيداً أو أسيراً، أو جريحاً.
في فلسطين… يعيش الشعب على أربع ساعات كهرباء في حالة الرفاهية تنخفض إلى ساعتين معظم الأيام، وبعض الدول العربية فقدت أهلها، وأبنائها، وتاريخها، وحضارتها ولم يقتصر الأمر على الكهرباء والماء فحسبن وكل ذلك في ظل رعاية فخامة وعظمة الجامعة العربية؛
-في فلسطين … تفقد عملك، أو سنوات دراسية، أو تموت بدون علاج بسبب غلق الحدود، وينفطر قلب الأسرة على الابن الغائب بسبب اللجوء، ولا يستطيع رؤية والديه وأخوته بسبب التأشيرات، والإقامات، وفي دول أخرى تحاصر إلى ما لانهاية، وتموت قبل أن ترى ذويك، هناك حيث القهر ليس له حدود ولا نهاية؛ ويعبث العابثون في الوطن كيفما شاءوا، ويتصارع اللصوص على ثمن الشهيد والأسير، والمتاجرة بالجريح واللاجئ؛ هناك كل شيء مباح إلا مقاومة الاحتلال؛!
حاولت أن أحصر حجم أللآم الذي يصيب العائلة والأصدقاء من فقدان الشهيد، والأسير، لم استطع، في ظل تجاهل دولة اللصوص عن هدم المنازل وتشريد الأسر، حيث تمدد الحزن من القلوب والمنازل لينتشر في الشوارع، ويلتحم مع ذكريات أبنك الشهيد منذ مولده، ودخوله المدرسة، واللعب مع الأولاد، وصورة الحزن التي رافقت الشهيد على من سبقه من رفقاء، ونظرات الخوف التي يخفيها طوال الوقت عن عائلته من فراقهم لا من الاستشهاد في سبيل حياتهم.
كنا نظن أن الحديث عن فلسطين فحسب، كنا نظن أن أرض فلسطين هي التي تقدم يوميا عدد من الشهداء، والآلف الأسرى، حتى رأينا تكرار لما حدث في فلسطين منذ سبعين عاماً، أثناء نكبة العام 1948، عندما هجمت العصابات الصهيونية على المواطنين الفلسطينيين وقتلوهم، وذبحوهم، وشقوا بطون النساء، ونكلوا بالرجال والأطفال، رأينا كل هذه المشاهد على يد عصابات صهيونية في شكلها الحديث، وهي ترتدي ثوب الإسلام، وتطلق على نفسها (داعش) لتحصد أرواح شباب، ورجال، وأطفال، ونساء عدد من الدول العربية التي تمسكت بالدفاع عن دولة الشهداء، في العراق، وسوريا، واليمن، وليبيا، تراق دماء البشر يومياً كما تراق دماء الأضاحي يوم العيد، مشاهد أصبحت فوق طاقة البشر، مشاهد رسخت حالة من الحزن الداخلي في نفس كل عربي.
وبما أننا لا نستطيع وقف نزيف الاستشهاد، والقضاء على هذه العصابات، وحماية أبنائنا من القتل عمداً، حيث أننا لا نستطيع حماية الشهيد حياً، قد نصبح يوماً لنجد في كل دولة وزارة للشهداء؛ وإنشاء منظمة الشهداء العرب؛ ثم منظمة الشهداء العالمية على غرار منظمة الفاو، والأنروا…ألخ من المؤسسات الدولية والمحلية، وتختص هذه الوزارة في تأهيل المجتمع على تقبل الاستشهاد، والأسر بيسر وسهولة. وأن تقدم هذه الوزارة برامج للعائلة في كيفية الربط على قلوبهم، وعقولهم عند فقدان فلذة كبدهم، وأن تقدم برامج للمرأة في كيفية تقبل الأمر بعد عشر سنوات أو أكثر من رعاية وليدها حتى يصبح زهرة ناصعة البياض وتأتي رصاصات الاحتلال أو الإرهاب لتحصده، وكل مناسبة وجامعتنا العربية بألف خير.
د.نعيمه أبو مصطفى/راي اليوم
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال