التاريخ والصراع الإيديولوجي في الجزائر

لقد أصبح التاريخ في الفكر العالمي المعاصر اليوم ومن وجهة نظر المختصين يعتبر مخبرا للعلوم الإجتماعية، فإذا كان أرسطو مثلا في العصر اليوناني يؤكد بأنه لا علم إلا بالكليات فإن كبار المفكرين المعاصرين المشتغلين بفكرة التاريخ يؤكدون بأنه لا علم إلا بالتاريخ وهذا في مجال العلوم الإنسانية والإجتماعية، وإذا كانت الإيديولوجيا هي المعتقدات والخصائص الذاتية التي تميز شعبا عن شعب آخر فإنها بذلك تكون جزءا لا يتجزأ من التاريخ باعتبار أن المعتقدات والأفكار والتصورات تشكل جوهر شخصية كل شعب بكل أبعادها الثقافية واللغوية والدينية والإجتماعية عبر مراحل التاريخ والأحقاب الزمانية المتتالية، ومن هنا كان التساؤل المشروع: ما هي العلاقة بين التاريخ والإيديولوجا في الجزائر؟ وهل هناك صراع إيديولوجي بين نظرتين مختلفتين إلى التاريخ؟ وهل هناك إيديولوجيا وطنية أصيلة مطابقة للتاريخ وأخرى دخيلة زائفة منفصلة عنه؟
يرى المؤرخون المعاصرون أن الوثيقة هي مادة المؤرخ الموضوعي، فمن خلال الرجوع إلى الوثائق وتتبع الحركة الثقافية في الجزائر ندرك تماما أن هناك تيارا ثقافيا في الجزائر عمل ولا يزال يعمل على تكريس مفاهيم خاطئة عن تاريخنا محاولا زرع إيديولوجيا مغايرة لتاريخنا تحمل وعيا زائفا تفنده الحقائق التاريخية، وهذه الحقيقة عبر عنها بكل مرارة المرحوم مولود قاسم نايت بلقاسم عندما تصفح برنامج السنة الدراسية بعد الإستقلال إذ يقول «ولقد حدث هذا فعلا في السنة الدراسية الأولى بعد إسترجاع الإستقلال، فكان البرنامج الأول الذي وضع في خريف 1962 لتقديمه في بداية السنة الدراسية، بعد أن إستعاد الجزائريون زمام المقاليد كرؤوس أقلام، أي كعناوين للبرنامج الدراسي للسنة 1962-1963 هكذا أي 1) العهد الروماني، 2) الغزو العربي، 3) السيطرة التركية، 4) وصول الفرنسيين»  ولا شك أن هذا التحقيب المغرض يعبر عن إرادة إيديولوجية ما لتكريس مفاهيم ومقولات وتصورات خاطئة لزرعها في الساحة الثقافية لسلخ هذه الأمة عن مسارها التاريخي الصحيح ومحاولة صناعة إيديولوجيا زائفة وبالتالي تكريس نظرتين مختلفتين إلى المجتمع والتاريخ، النظرة التقليدية الأصلية التي تتخذ من العروبة والإسلام والأمازيغية نموذجا لقيمها وتاريخها المشترك مع ضرورة الإنفتاح على الحضارة الإنسانية والنظرة التغريبية التي تنظر إلى هذه الأصول نظرة إحتقارية وتحاول أن تدمج تاريخ الجزائر في تاريخ الغرب محاولة خلق نماذج ومرجعيات زائفة من خلال تزوير التاريخ.
إن الإيديولوجيا سلاح خطير، لأنه يتحكم في معتقدات الناس ويوجه سلوكاتهم وفق القيم والمبادئ التي يؤمنون بها ولأن النسق الإيديولوجي من جهة أخرى وفي كل مجتمع يتميز «بالإستاتيكية والنمطية والثبات لأنه يتعلق بالفكر والتصورات ومن الصعب تغييره لتحكمه وسيطرته على معتقدات الناس وإتجاهات الرأي العام، ولذلك كان النسق الإيديولوجي هو آخر ما يتغير في أنساق البناء الإجتماعي كله على الرغم من تغير أنساق أخرى لا تتحكم في طبائع البشر»
وإذا كان التغريبيون في الجزائر أو ما إصطلح على تسميته  (بحزب فرنسا)، أي الذين يريدون أن يلحقوا تاريخ الجزائر بتاريخ الغرب عموما وفرنسا تحديدا يدعون تمسكهم بالحداثة والموضوعية والمنهج العلمي والمصطلحات والمفاهيم البراقة، فإن ذلك كله مرتبط بالإرادة الخفية والمعلنة لتزوير التاريخ حيث يقول الأستاذ المرحوم مولود قاسم نايت بلقاسم «وفي مجال تزوير التاريخ هناك عدد لا يحصى ممن يحاولون أن يشككونا في تاريخنا ليذبذبونا في حاضرنا ومستقبلنا ولذا علينا أن نحذر ونختار ونحتاط، علينا أن نقرأ كل شيء، بشرط الحذر والاحتياط واليقظة وذلك لأن التاريخ هو أساس الإيديولوجيات كلها، وليس بهذه الموضوعية والعلمية والنزاهة والحياد والتجرد وغير ذلك مما يدعون»  لأن في مجال البحث التاريخي والدراسة التاريخية لا توجد موضوعية مطلقة لأن المؤرخ يعيش التاريخ ولا توجد ذاتية مجردة لأن المؤرخ من جهة أخرى هو نتاج التاريخ، فلا يمكن مثلا للمؤرخ الجزائري والفرنسي أن تكون نظرتهما متطابقة لثورة التحرير الجزائرية الكبرى والتي تمثل الإرث الرمزي والوزن التاريخي الكبير بالنسبة للجزائريين جميعا «فالموضوعية المجردة المطلقة غير موجودة في الواقع ويصعب إن لم يكن من المستحيل تحقيقها وما فائدة المجرد والمطلق ما لم يخضع للتمحيص والتحليل والإستنتاج ليصبح عير ذلك، وهنا تفاعل مشترك لابد منه، بين الذاتي والموضوعي فلا الذاتية الخالصة والمفرطة مطلوبة في الدراسة التاريخية أو غيرها وكذلك الموضوعية المجردة والمطلقة غير مطلوبة أو ممكنة أيضا»
إن البحث عن الكينونة التاريخية لأي مجتمع يعني البحث عن كينونته السياسية والإجتماعية والثقافية والدينية ولا يمكن الفصل بينهما، وفي هذا المعنى يرى فرانسوا شاتليه «أن الوعي بالكينونة السياسية ينطوي على وعي بالكينونة التاريخية كما أن الوعي بانحلال الكينونة السياسية ينطوي على انحلال الوعي بالكينونة التاريخية»
إن علاقة التاريخ بالإيديولوجا والسياسة هي علاقة جدلية وصميمة أو هي بمثابة علاقة المادة بالصورة كما يقول الفلاسفة لأنه في حقيقة الأمر ومن البداهة التاريخية وهذا بالنسبة لأي مؤرخ أننا عندما «نعمد في أيامنا هذه إلى كتابة تاريخ علمي، أفلسنا ندون هذا التاريخ في معظم الأحيان على نحو ما تمليه علينا عقائدنا وإيديولوجياتنا واختياراتنا السياسية التي نسعى إلى تكريسها»
لا شك أن المؤرخين الجزائريين اليوم الذين يؤمنون بإيديولوجية وتاريخ هذا الشعب وقيمه المشتركة تنتظرهم مهمة صعبة وكبيرة من أجل تنقيح وتصحيح التاريخ وهذا بعد تكريس مفاهيم وصيغ خاطئة عن تاريخنا من طرف البعض ساعين بكل جهد وبلا ملل لتحقيق الحكمة القائلة «ما يقوله اليوم بلسان واحد سيقوله الغد بألسنة متعددة» وهذا ما جعل الدكتور محمد عبد الباقي الهرماسي في كتابه المجتمع والدولة في المغرب العربي يتنبأ بمستقبل سياسي صعب بعد الإستقلال بالنسبة للنخب السياسية في الجزائر وهذا عندما يقول «ولكن المستقبل السياسي للجزائر سيكون صعبا لأن فرنسا قضت على الجهاز السياسي وعلى جميع معالم السيادة الجزائرية، ولهذا فلن تجد النخب السياسية في المستقبل الإطار التنظيمي الذي يمكن أن تبني عليه مشاريعها والذي يمكن أن يشكل أساسا لبناء الهوية الوطنية»
وأخيرا وليس آخرا وبناء على ما سبق يمكننا أن نقول، إن تكريس إيديولوجيتين مختلفتين في مجتمع ما، إيديولوجية أصيلة ومطابقة لقيم ومبادئ هذا الشعب وإيديولوجية دخيلة وزائفة منفصلة عن تاريخ هذا الشعب تعني تكريس نظرتين مختلفتين إلى الحياة والتاريخ وبالتالي مشاريع مجتمعية متناقضة ومتصارعة وهذا بإعتقادي هو أكبر مشكل تاريخي وحضاري تعاني منه الدولة الوطنية في الجزائر منذ إسترجاع السيادة والإستقلال وإلى اليوم.
الدكتور قادة جليد - أستاذ جامعي وباحث أكاديمي/الجزائر

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال