الثقافة والإعلام في تونس.. إلى أين؟

لكلّ مشروع، أيّا كان ميدانه، اقتصاديا أو اجتماعيا أو تربويا... نظرة ذات بعد إستراتيجي، تخطّط وترعى وترافق خطواته، وترسم مآلاته، وهي على أهميتها ليست المحدّد الوحيد لنجاحه أو لفشله، بل البعد الأكثر منها أهمية، هو تمليكه للناس، سواء المنفّذون أو المنتفعون من هذا المشروع، وبدون هذا التمليك، وهو أن يشعر كلّ منهم أنّه شريكٌ فيه، ينجح بنجاحه ويفشل بفشله، فلن يكتب له النجاح، أيّا كانت قدرة أصحابه وكفاءاتهم العلمية أو السياسية أو غيرها، هذا التّمليك هو "ثقافة المشروع"، هو أن يكون المشروع ثقافة أو بلغة أدق أن يكون ترتيباً يومياً يضبط الناس ساعتهم على جرسه كلّ صباح، ويظلّ هو المحدّد لحركاتهم وسكناتهم، منذ أن يغادروا فراشهم إلى أن يعودوا إليه منهكين بشقائهم في سبيل تثبيت ذلك المشروع.
 بهذا المنطق الثّقافي، نجحت الثورات، وكلّ ثورة مترنّحة بين النجاح والفشل يكون عامل ثقافة التمليك والقدرة على إنفاذه هو الخط الفاصل بين السقوط وعدم السقوط.
الثورة التونسية المترنّحة اليوم لا يمكن أن تخرج عن منطق ثقافة التّمليك، ومن لا يملك أدوات الثّقافة لن تكون له القدرة على تمليك مشروعه للعامّة، أو للجهاز التنفيذي للمشروع، والمتمثّل في الجيش الإداري للدّولة، قرابة المليون من الموظفين يديرون دفّة الدولة بأذرعها الإقتصادية والإجتماعية والتربوية والصحية والأمنية... هذا الجيش المدني إن لم تتمكن النّخبة السياسية من توجيهه بالطريقة الصّحيحة والمقنعة، كي يتبنّى نهج المصلحة الوطنية العليا والخطوط الإستراتيجية الإصلاحية للثورة (إن وجدت) فلن يكتب للثورة النجاح، ولو استجلبنا أكفأ قيادة سياسية في العالم لتدير شؤوننا.
الأداة الأولى للتّمليك هي الثقافة، بكل مجالاتها، سواء المنتجة منها (المسرح، السينما الفن التشكيلي، الغناء، الرسم، الرقص...) أو المسوّقة لهذا الفن وهو القطاع الإعلامي (التلفزة والإذاعة والجرائد والمجلات...)، وإذا كان هذا القطاع أعني الثقافة خارج إطاره الزماني، ويعيش في غير لحظة الثورة، فإنّه يكون أداة هدم لا أداة بناء، والملاحظ للوضع التونسي يمكن أن يستنتج أنّ قطاع الثقافة، منذ البداية، كان خارج إطاره الزماني، تحرّكه علّة إيديولوجية مزمنة، تسيطر على عقله النخبوي منذ السبعينات، ولم يقدر على تجاوزها، فكان فيلم "لا ربي ولا سيدي" بعنوانه المستفزّ، ثم بعد ذلك رسوم "العبدلية"، عناوين خارج إطار ما ينتظره الشباب العاطل عن العمل، أو المواطن الذي تعوزه أبسط متطلّبات العيش الكريم، وبعد أن مرّت تلك الأيام العصيبة، وما تبعها من أحداث علاماتها المميزة هي الإحتراب الإيديولوجي وتقسيم التونسيين بين "دماء حمراء وأخرى سوداء"، كنا نظن أنّ النخبة الثقافية ستتعلّم من أخطائها. لكن، يبدو من خلال مسرحية عنونوها بــ "ألهاكم التكاثر" أنهم لا يزالون يراوحون في المكان نفسه، والمتتبّع للأعمال السينمائية والتلفزية المنتجة بعد الثورة، يمكن أن يستنتج أنها لم تتجاوز مفردة "الانحراف" في المجتمع، بكل أنواعه وسقطاته، تتتبّعها أينما كانت وبكل تفاصيلها المملّة والمقزّزة، وما ينطبق على الإنتاج الثقافي، ينطبق كذلك على الإنتاج الإعلامي، فالدائرة واحدة، والمجهود واحد، والبرنامج واحد وافق فيه "شنّ طبقة"، ولولا أني أريد أن أفترض حسن النّيّة، وأقدّر أن ملكتهم الفنّية والإعلامية، بحكم موروثهم الثقافي وتكوينهم من ناحية، وما قدّموه لنا من أعمال سابقة "ممنوعة على غير البالغين" في المجتمعات التي تحترم الذّوق العام شرقية كانت أم وغربية، لقلت أنهم مأمورون.
في النهاية أقول، إنّ من يرفعون شعار برنامج الثورة، أحزاباً كانوا أو منظمات، بدلاً من أن يصدّعوا رؤوسنا ببرامجهم الإنتخابيّة الخاوية على عروشها، والتي لم تقدر على تحقيق شيء منها، عليهم أن يفكروا في سياسة ثقافية وإعلامية جديدة، بمضامين ترتقي بالذّوق العام، وترتقي بسلوك الفرد إلى درجة المواطنة، وأن تتبنّى خطّا سياسيّا وثقافيّاً واضحاً قادراً على إنزال النهج الإصلاحي الجديد على أجهزة الدولة التنفيذية، أوّلاً وفي مقدّمتها جيشها الإداري الذي لا يزال تصوغه قوانين تجاوزها المكان والزمان، وأن يكون الدستور الذي صرفت من أجله أموال طائلة من رغيف الفقير قبل الغني، هو الفيصل في كلّ تفاصيل حياة الناس في حركاتهم وسكناتهم، وهذه لا يمكن أن تكون إلا مسؤولية الدولة، أينما يمّمت وجهها. 
بشير ذياب/تونس
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال