رواية “ملاذ آدم”.. جالس النساء وفز بأروع القصص

الكثير من الكتابات الأدبية وخاصة السردية توصف بالجرأة، لكن إذا تتبعنا تفاصيلها وثناياها سنجد أنفسنا أمام واقع متجسد، لا شيء خارقا فيه. هنا نعود إلى مصطلح الجرأة ذاته، النابع أولا وأخيرا من منظور اجتماعي لمجتمع يرى في الحديث عن تفاصيل واقعه المخفي جرأة. “العرب” التقت الكاتبة اليمنية ذكريات البرام التي وسمت روايتها “ملاذ آدم” بالجرأة، وكان لنا معها حديث حول الكتابة والنسوية.
تسعى الكاتبة اليمنية ذكريات البرام إلى ملامسة معاناة المرأة اليمنية وتسليط الضوء على المناطق الرمادية في الحياة الاجتماعية، تلك التي كان الاقتراب منها يعد مجازفة غير محسوبة العواقب.
تقدم البرام في روايتها “ملاذ آدم”، الصادرة حديثا عن دار غريب للنشر في القاهرة، ما يمكن أن يوصف بملامح فنية جديدة لمدرسة أدبية أنثوية يغلب عليها طابع التمرد شكلا ومضمونا، وظلت الكاتبة اليمنية تحافظ فيها على قدر من الحذر استجابة لطغيان المجتمع الذكوري والعادات الاجتماعية في بلد شديد المحافظة.
العجائز أفضل من الفلاسفة
تقول الكاتبة ذكريات البرام في حديثها لـ”العرب” إن روايتها تعبير عن شخصية ملاذ التي تمثل كل امرأة ما زالت تبحث عن عالمها الخاص، مضيفة “ملاذ هي كل امرأة تاهت بين مسميات الحياة، وهي كل إنسان لم يستطع محو خيباته ولو ابتعد لآخر الدنيا، نحن نأخذ لذكرياتنا وحكاياتنا قصص حبنا الأول وأولى صدماتنا بالحياة، تذاكر سفر أينما حللنا، ولعل من قرأ الرواية سيجد أن المرأة اليمنية كغيرها من سيدات هذا العالم المدفونات وهن أحياء، سيدات لا نصل إليهن، بينما في مكان ما على هذه الأرض يحملن من الأسى ما نعجز نحن عن كتابته، سيدات لا يفهمن ما يقوله العالم المخملي عن حقوق المرأة بل وحقوق الإنسان، بينما يعشن في صمت موجع وتحمل ظهورهن أثقالا لا يحملها الرجال”.
وتشير البرام إلى أنها حوّلت المرأة اليمنية في روايتها إلى رمز أو أيقونة، نظرا إلى ما تكابده هذه المرأة من قمع “لدرجة أنها آمنت حقا بهذه الدونية في حياتها واعتبرتها نظام حياة”، فيما هي لا تطمح للمساواة بقدر ما “تبحث عن شراكة روحية تؤمن فيها بأنها مخلوق مقدس كالرجل تماما، لها رغباتها، أحلامها، تطلعاتها. ولا تخجل من البوح”.
نسأل الكاتبة هنا لماذا اسم ملاذ تحديدا لبطلة عملها الروائي؟ لتجيبنا البرام “هناك خرافات أفريقية قديمة تؤمن بأن الإنسان -لاإراديا- يبحث في حياته عن المعاني الموجودة في اسمه، آمنت كثيرا بهذه الخرافة فكانت ملاذ”.
أبطال حقيقيون
من ناحية أخرى تضمنت الرواية صورا صادمة عن واقع النساء المكلومات، وتوضح البرام أنها لم تتوقع يوما أن تلك الحكايات ستكون في قالب رواية، حكايات اختزنتها من مجالساتها للنساء، حيث تقول “إذا جالست النساء فأنت ستخرج لا محالة بعدد كبير من القصص، سترى في أعينهن وهجا لا ينطفئ من سرد تفاصيل بسيطة جدا، هن أنفسهن لا يعرفن هذا السحر في ذواتهن، هي ليست مجرد حكايا بل حفر في ذات الحياة إلى مركزها، خاصة إذا استمعت إلى النساء المسنات، فرغم ذاكرتهن المتعبة ما زلن يحتفظن بمجلدات مثقلة عن النفس البشرية، صور لم يصل إليها حتى فلاسفة العصور السابقة، باختصار، لم أفكر يوما في أنها ستكون رواية، ولكنها كانت كذلك”.
صور صادمة عن واقع النساء المكلومات
تشق الكاتبة طريقها على درب غارق بأحلام النساء المحاصرات بالمجتمع الذكوري، نسألها إن كانت ستستمر في هذا الدرب من الكتابة، لتقول البرام وهي تقف على عتبات الكتابة الروائية “سأكتب عن كل ما أراه قريبا من روحي كإنسانة أولا، سأكتب عن الرجل والمرأة على حد سواء، فللرجل أحلام مبعثرة أيضا وله عالمه الكبير المليء كذلك بالخيبات، أنا لم أكن ضد الرجل في ‘ملاذ آدم‘ فقد كان هناك بصيص ضوء على قضايا ذكورية يسطع في جنبات الرواية بين الحين والآخر.
فالرجل لا يلحق الظلم بالمرأة لأنه يريد ذلك، إنها خلاصة ثقافة مجتمعية، يعبر عن ذلك جزء من التقاليد، وتعتبر قسوة الرجل رجولة وأنوثة المرأة تكمن في ضعفها وهشاشتها النفسية، وفي نهاية المطاف الرجل ضحية مجتمع يختبئ تحت رداء الفضيلة، وهو الرداء الثقيل الزائف الذي نتعرى منه في لحظات خلوتنا مع أقرب الناس إلينا فتظهر عيوبنا ويبدو أسوأ ما فينا. لذلك سأكتب عن أحلامنا جميعا. وعندما أكتب عن حواء فلا بد أن يكون هناك آدم في المنتصف”.
وصف بعض النقاد رواية “ملاذ آدم” بأنها جريئة مقارنة بتجارب كاتبات يمنيات كان يبدو أنهن وصلن إلى سقف الحرية المتاح، وعن هذه النقطة تقول ضيفتنا “لماذا نخاف من أجسادنا ولماذا نخفي رغباتنا الفطرية، وكل هذا الكون قائم على علاقات ثنائية تزيد من جماله وبهائه وطالما أن الجرأة لا تصل إلى حد الابتذال، فهي بذلك تطرح قضية يجب أن تُعالج.
الطرح الجريء قد يفتح بابا كان مغلقا في وجه أحدهم، علينا أولا أن نتخلص من هذه المسميات التي حوصرنا بها، إضافة إلى أن ثورة التواصل الضخمة التي غزت العالم ومنه اليمن قد غيرت مفاهيم المجتمعات التي كانت مغلقة لتضعها أمام تساؤلات عميقة جدا، أؤمن شخصيا بأن اليمنيين سيخرجون من هذة الدائرة المليئة بالغموض أقوى وأكثر إدراكا، بعد أن ينفضوا غبار وتراكمات العادات التي جعلتنا نسمي سرد حقائق الحياة الخاصة جرأة، وإن كانت روايتي تصنف بأنها جريئة فسأكون فخورة بأنها كسرت بعض القيود المفروضة على الكاتب ومضت رغم الحواجز”.
لا تتحسس البرام من مصطلح الأدب النسوي الذي ترفضه بعض الكاتبات اليمنيات جملة وتفصيلا، بل إنها تتنبأ بأن هذا الأدب قادم بقوة في اليمن ليلحق بمثيلاته في دول عربية أخرى مثل مصر ولبنان، لتبرز أسماء الكاتبات اليمنيات ويتجاوز أثر كتاباتهن اليمن إلى المنطقة عموما، انطلاقا من البيئة الخصبة في اليمن التي توفر مجالا واسعا يغذي مخيلة الكتاب والكاتبات عموما، مضيفة “خلف كل نافذة في اليمن يعيش أبطال روايات حقيقيون، هذه البلاد ستنجب جيلا سيكتب عن معاناته بكل قوة”. 
صالح البيضاني/العرب
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال