عن استقالة العرب من صناعة التاريخ

أنتج القرن العشرون بدايته بحرب عالمية أولى، لم تنته بمسحٍ كامل لوقائع القرن التاسع عشر فحسب، بل لوقائع عدد من القرون السابقة، لجهة الخرائط وموازين القوى والأطر الحاكمة للقضايا الدولية.
وبما أن العرب أظهروا انطلاقاً من مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر بعض ملامح استعادة قرارهم وصناعة تاريخ منطقتهم، فقد سارعت القوى الدولية الظافرة في الحرب الكونية تلك إلى سحب البساط من دول المنطقة عبر وثيقتين اثنتين: اتفاقية «سايكس ـ بيكو» و «وعد بلفور».
اليوم، وبعد انقضاء قرن كامل على هذه الوقائع، يبدو لنا أن المسيرة العامة للقرن المنصرم كانت أشبه بتطبيق حرفي للوثيقتين المذكورتين، ما عدا عقدين منه (الخمسينيات والستينيات)، جرت فيهما محاولة جادة لاستعادة قرار صناعة التاريخ في المنطقة من قبل أبنائها، في سياق مقارعة مفاعيل الوثيقتين المشار إليهما. لكن ضربة قاصمة وُجّهت إلى المحاولة تلك في حرب 1967 التي تشارك في إقرارها وتنفيذها الاستعمار الدولي الجديد (آنذاك) في واشنطن، وحليفته الإقليمية التي تم تأسيسها خصيصاً للقيام بمثل هذه المهمات، إسرائيل.
وفيما كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر يعد العدة للرد عسكرياً ومن ثم سياسياً على هذه الضربة، تدخّل القدر ونقل إدارة الرد التاريخي المفترض إلى أيدي خلفه أنور السادات.
صحيح أن النتيجة تبلورت بداية في حرب 1973، غير أن السنوات اللاحقة أثبتت أن تلك الحرب المشوهة في خططها وإدارتها، لم تكن إلا بداية طريق موصل إلى توقيع القطر العربي الأكبر على اتفاقية كامب ديفيد في نهاية السبعينيات، والتي لم تكن سوى تسجيل لعودة العرب إلى عصر الاستقالة من صناعة تاريخهم. وقد تأكد الأمر بعد انضمام معظم الأنظمة العربية إلى مسار التسوية ذاك، مجتمعين أولاً ثم فرادى، بعد زوال «الحرج» إثر لحاق القيادة التاريخية للمقاومة الفلسطينية بالقاطرة المذكورة، برغم ظهور بصيص من الأمل في حركة مقاومة فلسطينية مثّلتها الانتفاضة الأولى أواخر الثمانينيات.
ثم جاء القرن الجديد مُدشَّناً بحرب احتلال العراق أولاً ثم تدمير سوريا واليمن بعد ذلك، ليؤكد أن صناعة التاريخ في هذه المنطقة عادت إلى الأيدي الخارجية، فجرت محاولات صنع «شرق أوسط جديد» انطلاقاً من بغداد أولاً وإثر حرب إسرائيل على لبنان عام 2006 ثانياً، قبل أن تندلع أزمتا سوريا واليمن الطاحنتان ثالثاً.
ليس في مسار الأحداث في المنطقة العربية أي غرابة. فهو يمثل النتيجة العملية لاستقالة العرب من صناعة حاضرهم ومستقبلهم، وهذه النتيجة ستحدد أحوال المنطقة وسكانها، إلى أن يأتي يوم تنجح فيه مصر في الخروج من القيود التي بدأت باتفاقية تسوية مع إسرائيل، كان ممكناً منذئذ أن يُقرأ في طيّاتها قبول بالخروج من الفعل والتأثير في العالم العربي.
الياس سحاب/السفير 
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال