حلب والحرب... والسلام

ما معنى أن تبتهج السلطة في سوريا بـ «انتصارها» في حلب، في حين يعيش سوريّون كثر حزناً عميقاً على أهلها القتلى والجرحى والمشرّدين وعلى الدمار الذي حلّ بها؟
إنّ أحياء حلب الشرقيّة كانت قبل الصراع هي الأكثر اكتظاظاً بالسكّان وأكثرها فقراً وتهميشاً. وسياسات السلطة قبل الحرب هي التي أدّت إلى تفجّر السخط الاجتماعيّ والشبابيّ، ليس من جرّاء غياب الحريّات فحسب، بل أساساً، بسبب غياب أمل الكثيرين في حياة لائقة كريمة. غياب التنمية هو الذي خلق أرضيّة «الثورة»، قبل أن يدفعها القمع الدامي والتلاعب الخارجيّ نحو السلاح والحرب... ومن ثمّ «التطرّف». وغياب التنمية في مناطق إدلب والجزيرة كان أرضاً خصبةً لظهور التنظيمات المتطرّفة المختلفة التي يُعاني منها السوريّون اليوم. السلطة السوريّة هي المسؤولة عن غياب التنمية في هذه المناطق، خاصّة في العقد الأخير الذي سبق تفجّر الأوضاع.
فهل يُمكن لمن كان سبباً في إفقار الناس أن يفتخر بأنّه «انتصر» على فقرائه؟
عاش أهالي حلب ستّ سنواتٍ من الظلم من جميع الأطراف. قُمعت تظاهراتهم السلميّة برغم أنّهم اتّهموا بـ «التأخّر» عن باقي المناطق السوريّة. ثمّ «حُرّر» جزؤها الشرقيّ من قبل فصائل مسلّحة دفعت إلى الحرب. ومن ثمّ عاشت المدينة معاناة خلال أربع سنوات بين القصف والتدمير من جهة، وفوضى السلاح وفصائله على الجهة الأخرى. هكذا عانى شطرَا حلب كثيراً وهرب الكثير من الحلبيين من الموت، السريع والبطيء. إلاّ أنّ المعاناة كانت أكبر لشطرها الشرقيّ.
قبل حلب، عرفت مدينة سوريّة كبرى أخرى، هي حمص، المصير نفسه. وكان صراع ودمار حمص قد تمّ وضعهما شعبيّاً، وما زال، على مستوى طائفيّ، من قبل طرفيّ الصراع. لكن لا يُمكِن بالنسبة لحلب أن يتمّ إسقاط المستوى الطائفيّ بالطريقة ذاتها لاختلاف التركيبة السكّانية والاجتماعيّة.
ما هو مهمٌّ اليوم هو الذهاب اجتماعيّاً وسياسيّاً إلى أبعد من نظرة السلطة الضيّقة وبعض المعارضين في حصر الموضوع فقط بمن سيحكُم البلاد انطلاقاً من مجريات الحرب. فالانتصار في معركة مهما كانت أهميّتها لا يعني القدرة على إدارة السلام، فنهاية «حرب بالوكالة» ستجلب أيضاً «سلاماً بالوكالة». بكلّ الحالات لا بدّ من الخروج من المنطق الطائفيّ للميليشيات التي تحارب على الجانبين.
المهمّ اليوم هو إحياء اللحمة اجتماعيّاً ليس على مستوى الوطن فحسب، بل أيضاً وبدايةً على مستوى المدن، مدينةً مدينة، ذلك أنّ الحرب دمّرت أغلبيّة الريف. وكلّ مدينة في سوريا لها شخصيّتها وهويّتها القويّة. ولن يستفيد من شرذمتها سوى «التطرّف» و «الاستبداد» وأصحاب «الحرب بالوكالة».
لا بدّ أن يتداعى كلّ أبناء حمص لرأب صدع مدينتهم. ولا يعقل أن يبقى حيّ الوعر يعيش ما يعيشه اليوم. والجهد الأكبر المطلوب هو من أحياء حمص الأُخرى. لا لشيء بل للحفاظ على هويّة حمص.
كذلك لا بدّ لأهالي أحياء حلب الغربيّة، برغم ما عانوه هم أيضاً، بل بالضبط لأنّهم عانوه، من التداعي لنجدة هؤلاء الذين خرجوا من أحياء حلب الشرقيّة والحفاظ على ما تبقّى لهم، ولكي يعودوا إلى بيوتهم بأسرع وقت. حمص لن تموت... وحلب لن تموت، برغم أنّ حلبيّين أبرياء كُثُرا ذهبوا ضحايا هذه الحرب العبثيّة، وأنّ السلطة والقوى الخارجيّة قد استغلّت الانقسامات الاجتماعيّة داخلها. حلب ستعرف كيف تضمّد جراحها. لقد انتفضت قبلها بعد أن اجتاحها هولاكو. وانتفضت أيضاً بعد 1850 وتلاعب الامبراطوريّة العثمانيّة والقوى الاستعماريّة بنسيجها الشعبيّ. وستنتفض غداً وتضمّد جراحها وتعيد حضور هويّتها البارزة، لا على مستوى سوريا وحدها بل أيضاً على مستوى الجوار.
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال