مسرحية 'حروب' كرنفال الطائفية والهيمنة وصراع الميليشيات

يمثل موضوع مسرحية“حروب” التاريخ العراقي الحديث المأزوم بالصراع، عبر التذكير بتواريخ بعينها، يحيل بعضها إلى انقلابات عسكرية وحينا آخر إلى تواريخ حروب متلاحقة.
تأثيرات جارحة ستمهد إلى أفعال أكثر قسوة في واقعه الراهن، متمثلة بالانقسام السياسي، والنزعة الطائفية المهيمنة، مفضية بدورها إلى تمكّن الإرهاب من أن يديم بفعله ترهيب المجتمع العراقي وشظيته.
هذه المسرحية تستدعي حالة النقد القاسي في أسباب غياب التعايش، والانقسام الطائفي الحاصل في المجتمع، جراء الحروب والفشل السياسي، عبر رؤية لا تخلو من التماهي مع الحس الطقوسي وكرنفاليته الذي أوحى به حضور مجاميع الممثلين، والذي تم تطويعه كي يشغل فضاء العرض المسرحي معززا بمشهدية تعبيرية، الرؤية الإخراجية للعرض.
 المسرحية تستدعي حالة النقد القاسي في أسباب غياب التعايش، والانقسام الطائفي الحاصل في المجتمع جراء الحروب
المخرج إبراهيم حنون أخرج العديد من الأعمال المسرحية، منها مسرحية “سكوريال” للمؤلف التشيكي ميشيل جورجريد، ومسرحية “الموت والعذراء” من تأليف التشيكي أريل دورفمان، وهو يدير منتدى المسرح التجريبي في بغداد.
يصف حنون طبيعة ومهمة المهرجان ومشاركته في دورته الحالية قائلا "مهرجان أيام قرطاج المسرحية من المهرجانات المسرحية العربية العريقة، ما يمثله لنا نحن المسرحيين، بكونه فعالية دولية قادرة على أن تستقطب عروضا مسرحية مهمة من دول العالم المختلفة، بذلك هو بادرة ثقافية وإبداعية مناسبة للتواصل ومعرفة ما توصلت إليه التجارب والمشاريع المسرحية في دول عربية وغير عربية. كذلك، يمكن النظر إليه، بوصفه فضاء قابلا على تسويق المشاريع المسرحية، ومحاولة التبادل فيما بينها، وبرمجتها للمشاركة والحضور في مهرجانات مسرحية أخرى. عدا، من كون المهرجان ذاته، نافذة يطل منها الجمهور التونسي على تجارب مسرحية متنوعة، والذي يحتفظ في نظري، بذائقة مسرحية مميزة، أجدها قريبة تماما لذائقة الجمهور العراقي".
وعن أهمية ما أسماه بتسويق المشروع المسرحي، يذكر أن “الأمر يتعلق بالتعرّف عن قرب بالعروض المسرحية، وذلك عامل مهم لتقدير التجربة المسرحية وتقويمها. ومع حضور أغلب مدراء المهرجانات المسرحية المكرسة، نجد ثمة ما يعزز التواصل بين المعنيين بالشأن المسرحي، نقاد، ممثلين، مخرجين، وغيرها من الاختصاصات، وذلك يؤدي بالضرورة إلى تبادل المعرفة بالنتاجات المسرحية عن كثب، إذ لا يمكن أن تجري عملية التسويق المسرحي من دون دراية بالمشروع. لكن من المهم ذكره، أن العروض المسرحية لا تموت بعد عرضها الأول، هي تحتفظ بديمومة وجودها، حيث يمكن أن تعرض ثانية بعد زمن، برؤى وأساليب عرض، وطريقة إخراج أخرى، ما يشّكل إضافة ضمنية لثيمة العرض".

                                         
إبراهيم حنون: نص المسرحية يكشف فداحة الانقسامات الحادة التي ضربت بنية المجتمع العراقي
فضاء للتواصل والمعرفة
عن السؤال عن واقع وطبيعة الدور الذي يمكن تلمسّه في العديد من المهرجانات العربية التي تقام في أكثر من بلد عربي، يوضح قائلا “من خلال مشاركاتي بأهم المهرجانات المسرحية العربية، أيام قرطاج المسرحية، مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، مهرجان دمشق المسرحي، وغيرها، تلمست بأن أغلب العروض المسرحية تنطوي على أفكار وموضوعات ذات بعد تحريضي، قريبة الصلة من مشكلات الواقع العربي، إن لم تكن من صلبها، وهي غالبا ذات مسحة تجريبية تتطلع لهموم المعاصرة.
المسرح العربي مسرح مجتهد، وملتزم، إضافة إلى كونه شديد الاهتمام بالمتطلبات الحديثة للمسرح، الرؤية الإخراجية المبتكرة، طبيعة الموضوعات، طريقة الأداء، الاستخدام الأمثل للفضاء المسرحي حضور السينوغرافيا. بمعنى أنه مسرح خلاق، يسعى رغم كل المعوقات، إلى أن يجد لنفسه مكانا متقدما ضمن مجالات الإبداع العربي. كما أنه دائم الحضور بالتظاهرات المسرحية ذات الطابع الدولي”.
وعن مشاركة مسرحيته “حروب”، أيضا، في عروض المهرجان العربي للمسرح بصفاقس، الذي تزامنت فعالياته مع أيام قرطاج المسرحية يبين المخرج إبراهيم حنون، طبيعة مشاركته “كانت فرصة مهمة لنا، في أن نذهب إلى أماكن أخرى، خارج إطار فضاءات أيام قرطاج المسرحية، كي نقدم عرضنا المسرحي في مدن تونسية أخرى، إضافة إلى العاصمة تونس. هذه التجربة، أي عرض مسرحية ‘حروب’، تمثل تقديرا للعرض المسرحي، ومحاولة تقويمه من قبل جمهور آخر مختلف. عدا التغلب على ظروف العرض التي تتعلق بالتقنيات والفضاءات الخاصة بالعرض ومستلزماتها، كي تقدمه بشكل يلقى القبول والتأثير. طبيعة التلقي كانت مؤثرة لدى الجمهور الصفاقسي، ثمة تجاوب خلاق مع العرض، من قبله، حيث كان العرض محمول بأداء مسرحي لا يخلو من شحنة كثيفة من التعبير في توصيف الشجن العراقي بصورته الحاضرة”.
مسرحية حروب
يصف حنون قراءته لمسرحية “حروب” وفق ما يحدث الآن في الواقع العراقي، قائلا “عملي المسرحي الذي قمت بإخراجه، والذي أشرت إليه، مأخوذ من نص عالمي اسمه “حروب كوسوفو” للكاتب الكوسوفي ماكيلي هاكييف، ترجمة الفنان الرائد سامي عبدالحميد. اعتمادي النص جاء بأسباب مشابهة التجربة الكوسوفية للتجربة العراقية، إلا أنني لا أخفي تصوري خلاله بإجراءات تعريق النص كي يكون ممثلا للحالة العراقية الراهنة. ثيمة العمل، تتعلق بحالة الصراع على النفوذ والسلطة أثناء الحروب. اتخذت مدينة بغداد بتراثها مقاربة في إيضاح ثيمة العمل”.
حالة الصراع على النفوذ والسلطة أثناء الحروب
ويضيف حنون “اعتمد النص على كشف الانقسامات الحادة التي ضربت بنية المجتمع العراقي، والتي ذهبت به إلى هويات فرعية، وطمس مفهوم المواطنة التي كانت جامعة له، والتي جاءت نتاج إرث عسكرياتي تدخل في صناعة القرار المديني، ونقد دور الطبقة الوسطى التي نأت بنفسها عن تدخلات مشابهة أضرّت بفكرة المدينة التي محت صورتها عمليات الترييف وثقافة القرية”.
ويقول إبراهيم أيضا “أستخدم في افتراض مقاربتي هذه، صراع الميليشيات وعملية استيلائهم على المكان، وطريقة تعاملهم مع أفراد المجتمع وكأنهم قطيع، بقوة إملاءات تخدم جهات سياسية معينة. يمكن النظر لهذه الأطروحة، باعتبارها إشكالية مجتمعية تعقدت مقدماتها، وسببت بالنتيجة دخول الإرهاب إلى العراق. هكذا تجد العنف المستديم، ثقافة الإزاحة، تعميق الانتماءات الثانوية على حساب العراق، بوصفه وطنا.
حاضر العراق
العمل هو مناقشة لما يحدث في العراق حاضرا، ومحاولة لاستثمار الذاكرة العراقية. العمل حاشد بالاستعارات، عبر طريقة أداء مسرحي يعزز جمالية المشهد ويقدم قراءات لإشكالية كهذه، خالية من التأويل، منتمية للمباشرة ومحاولة البوح عن المسكوت عنه”.
ويضيف حنون حول تعريف العرض “أفترض أن هذا العرض ينحو لإيجاد خطاب يلامس الذهنية والذائقة من خلال مفاصل تتعرض لمعضلات مجتمعية ببساطة وشفافية لإظهار ما أسمّيه بالوجع العراقي الدائم”.
العرض اعتمد على الأداء الفردي للمثل في عمله المسرحي، وحول ذلك يبين حنون قائلا “أداء الممثل هو نتاج ورشة وتفكير طويل، لطريقة حضوره على الخشبة، ذلك ما يمثل في تصوّري ركنا أساسيا من العرض، بوصفه متدخلا جماليا، وصانعا لفضاء عرض، ومتخليا عن اللوازم الأدائية التقليدية. الممثل في هذا العرض جسدا وإيماءة، تتظافر معا، لإيصال أثر تعبيري. العمل، كذلك، حاشد بأدائية فردية مع تحفيز للمجاميع وتبيان قواها وتعبيراتها الداخلية. ذلك يأتي بمثابة مساءلة لفكرة المسرحية ومحاولة إيصالها بدون مواربة أو تأويل. عليّ القول أيضا من أن العرض مليء بالتشكيلات المسرحية. ثمة ملاحظة وددت ذكرها، تتعلق باستعانتي بممثلين عراقيين بمشاركة ممثلين من تونس. رغبت تماما بأن يكون العرض حاملا لثقافتين متكاملتين، وخبرتين هما نتاج ما يمكن تسميته بنتاج المسرح العربي”. 
سعد القصاب/ alarab.co.uk
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال