ليبيا والجزائر.. وثالثهما حفتر

الأحزاب الجزائرية ذهبت إلى القول إن زيارة حفتر إلى الجزائر تكون مقبولة في حالة واحدة، وهي إذا أدرجت ضمن مساعي توحيد ليبيا وتحقيق مصالحة وطنية، وسد الطريق أمام التدخل العسكري الدولي.
الزيارة المفاجئة التي قام بها القائد العام للقوات المسلحة الليبية المشير خليفة حفتر إلى الجزائر، الأحد الماضي (18 ديسمبر الجاري) الأولى منذ سقوط نظام معمر القذافي، يراها مراقبون خطوة هامة للتقارب بين الجزائر، وبين طرف هام وفاعل على صعيد الخلافات الداخلية في ليبيا، وأنها تخدم التوجه العام الذي يتبنَّاه فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني المدعومة دوليا.
غير أن هذه النظرة، وإن كانت صحيحة من الناحية السياسية، فهي ليست مؤكدة من الناحية العسكرية، خاصة بعد الإعلان عن تدخل وشيك لقوات حفتر في العاصمة طرابلس للقضاء على الجماعات الإرهابية، ذلك لأن حفتر لم يحظ بمقابلة أي شخصية عسكرية، وظلت لقاءاته ذات طابع سياسي بالرغم من أنه استقبل من طرف رئيس الوزراء، رئيس الحكومة، عبدالمالك سلال.
من ناحية أخرى، فإن المحادثات بين الجانبيْن الجزائري والليبي، تمحورت حصريا كما أوردت وكالة الأنباء الجزائرية، حول “التطورات السياسية والأمنية في ليبيا ووسائل تشجيع العودة السريعة للاستقرار فيها” مع تأكيد واضح من الطرف الجزائري مُمثلا في عبدالقادر مساهل، وزير الشؤون المغاربية والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية، على أن الزيارة تأتي في سياق محاولات الجزائر لتشجيع الأطراف الليبية على التوصل إلى اتفاق سياسي، ما يعني تأكيد الجزائر على طرح موقفها الداعي إلى حل سياسي في ليبيا يقوم على الحوار وعلى عدم إقصاء أي طرف من الأطراف المتصارعة بما في ذلك تيار الإسلام السياسي.
خليفة حفتر لم يزر الجزائر منذ اندلاع الأزمة الليبية في 2011، بل إنه هاجم موقفها من أزمة بلاده، وهذا على عكس باقي الأطياف الأخرى، التي زارت الجزائر في العديد من المرات، وهو ما أرجعه مراقبون إلى ارتباط تحرك حفتر بخدمة جهات خارجية لا توافق على الحل الذي تدعو إليه الجزائر القائم على مقترح إشراك جميع التيارات في عملية المصالحة الوطنية، فهل أصبحت تلك الأطراف متجاوبة معه؟
مصادر جزائرية مطَّلعة ترى أن زيارة حفتر، وإن كانت ذات طابع دبلوماسي، لم تتطرق للوضع الأمني ولا العسكري، إلا أنها عمليا مفيدة لكونها كسّرت حاجز الريبة من المشير خليفة حفتر، لكن الأمر في نظر آخرين هو أن زيارة حفتر إلى الجزائر جاءت على خلفية زيارته السابقة إلى موسكو، فقد طالبه القادة الروس بالتقارب مع الجزائر، بل هناك من ذكر أن الدعم الروسي لقوات حفتر مشروط بالتقارب مع الجزائر والقبول بمشروعها لحل الأزمة الليبية، كما جاءت على خلفية انتهاء ولاية المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني المنبثقة عن اتفاق الصخيرات (المغرب)، والتي شُكَّلت برعاية الأمم المتحدة، في وقت يستعد مجلس النواب (البرلمان) الليبي لاستعادة المبادرة وتقديم طرح جديد لإحلال السلام في البلاد، وأيضا استجابة عملية للدعوة التي أطلقها فايز السراج بعد القضاء على قوات داعش في سرت.
غير أن تحليل مضمون الخطاب الإعلامي وحتى السياسي لبعض قادة الأحزاب، يؤكد على أن الجزائر لا ترى في المشير خليفة حفتر “القائد العام للقوات المسلحة الليبية” مثلما يراه مؤيدوه، وإنما تعتبره طرفا من الأطراف المتنازعة في ليبيا، إذ اكتفت وكالة الأنباء الجزائرية، الرسمية، والتلفزيون الحكومي في إيرادهما للخبر بصفة “المارشال الليبي خليفة حفتر” دون ذكر صفة أخرى، ما يعني حرص الحكومة الجزائرية على أن تبقى على مسافة واحدة مع كل أطراف الخلاف، كما ذهب بعض قادة الأحزاب الجزائرية إلى القول إن زيارة حفتر تكون مقبولة في حالة واحدة، وهي إذا أُدرجت ضمن مساعي توحيد ليبيا وتحقيق مصالحة وطنية، وسدّ الطريق أمام التدخل العسكري الدولي.
من ناحية أخرى يرى بعض المراقبين أن زيارة حفتر إلى الجزائر، تأتي ضمن مساع يبذلها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي من أجل عقد قمة ثلاثية تجمع بين قادة تونس والجزائر ومصر لبحث الأزمة الليبية وتداعياتها على المنطقة ودول الجوار، وهو الأمر الذي طرحه السبسي خلال زيارته إلى الجزائر في الأيام الماضية، وذلك لتجنّب التداعيات الخطرة الناجمة عن استمرار الأزمة، وإمكانية التحاق جزء من المقاتلين التونسيين والأجانب الهاربين من سوريا والعراق بالمجموعات المتطرفة في ليبيا.
مهما تكن دواعي زيارة حفتر إلى الجزائر، وأيضا مهما تكن النتائج التي لم تعرف إلى غاية الآن، فإن ليبيا تدخل مرحلة جديدة تتميز بثلاثة أبعاد رئيسة وهي:
البعد الأول: المدخل العسكري باعتباره حلا عمليا للأزمة السياسية، سواء من خلال ما قامت به القوات التابعة لحكومة الوفاق في سرت، أو ما تقوم به القوات المسلحة الليبية بقيادة خليفة حفتر في عدة مناطق وأعلنت أنها ستواصله في طرابلس، ونتيجة للعمل العسكري على عدة جبهات، سيتم الحوار بين كل الأطراف وهو ما تريده الجزائر.
البعد الثاني: العلاقة مع دول الجوار خاصة الجزائر وتونس ومصر، التي تحولت من علاقة ثنائية مع هذا الطرف أو ذاك إلى علاقة ذات طابع جماعي، ستقلل من أي اختلاف بين تلك الدول، بل ستدفعها إلى التقارب أكثر.
البعد الثالث: النظر إلى الامتداد الخارجي في علاقة الأطراف الليبية مع الداعمين لإجراء الحوار أو لاستعمال القوة، من منطلق تغير الخطاب السياسي في العالم، خاصة بعد بداية تشكل جبهة معادية للأحادية القطبية، يتوقع المراقبون أن تشمل عدة دول غير عربية، وعربية منها؛ سوريا ومصر وليبيا والجزائر، وستكون بإشراف ودعم روسيين.
تبقى نقطة أخيرة، وهي أن خليفة حفتر يتوقع أن يكون الرجل الأول في ليبيا، رغم تصريحاته السابقة على أنه لا ينوي الدخول إلى المعترك السياسي.
خالد عمر بن ققة - كاتب وصحفي جزائري 
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال