صوت من الضفّة الأخرى

"الموتُ ليس نهايةَ الطريق \ الموتُ نارٌ تستريح وتستفيق" وكيف لا تستفيق نار الشاعر اللبناني الأسترالي نعيم خوري وبلاد العرب تمزّقها أنياب الإرهاب التكفيري، أداة الإستعمار الجديد وأظافرُ المستعمرين، ويسيلُ لعاب ُشهواتِهم على ما تختزن من ثرواتٍ طبيعيةٍ يطمعون بانتهابِها، ويقيمون من أجل ذلك قواعدهم وسط عقول السذّج من أبنائها قبل أن يبنوا قواعدهم العسكرية على أرضها، فاستلابُ العقولِ واستعمارُها شرطٌ أساسٌ لاستلابِ الأرضِ واستعمارِها، فهل كان لإسرائيلَ، قاعدةُ الاستعمارِ الأماميةِ في البلاد العربية مثلاً، أن تُزرع وسط العالم العربي، وفي قلب فلسطين، لولا تواطؤ من نصّبهم الاستعمار، في حينه، حكّاماً على بلادِ العرب، بعد أن استلبوا عقولهم، وغسلوا أدمغتهم، وجعلوا منها أولى قواعدهم التي مهّدت لزرع اسرائيل، القاعدة العسكرية الاستعمارية الأهم في بلاد العرب، التي زُرعت على شكل دولة في فلسطين، وشرّدوا، من أجل ذلك، شعب فلسطين، ويتناوبون على حمايتها، ومدّها بكلّ أسباب الحياة والبقاء، فيما شعب فلسطين مشرّد تحت كلّ سماء، والإرهاب الصهيوني يلاحق من تبقّى من شعبها في الضفّة الغربية وغزّة ، فيهدم منازلهم، ويصادر أراضيهم، ويقتلع أشجار حقولهم، ويقيم المستعمرات على أراضيهم المصادرةِ، والدجل الإستعماري يكتفي بأن يقول إن بناء المستعمرات، التي يسميها مستوطنات، ليس شرعياً، ومقابل عدم شرعيتِها يغدقون على إسرائيل عشراتِ ملياراتِ الدولاراتِ، وأحدث أنواع الأسلحة، وأفتك أنواع القنابل وأقذرها، ولم يكتفوا بذلك، فعمدوا الى نشر سلسلةِ قواعدَ عسكرية أخرى، لها من الضخامة والقدرة ما جعل بلاد العرب كلّها مستباحة. 
ربّ قائلٍ ما لنا وكلّ هذا ونحن في صدد نعيم خوري الشاعر والانسان؟. وهل نحن خرجنا عن ذلك؟. ألم يقل نعيم: "يصلب الله ، وتزني أمم \ كي يؤول الحقّ للمغتصبِ". وهل ما نشهده اليوم، على وجه الخصوص في فلسطين، وفي العالم، وعلى وسع الأرض العربية، غير زنى أمم تحاول اقتلاع العرب من بلدانهم، وتشريدهم تحت كلّ سماء؟. وربّ قائل أيضا: نحن في مسيرة شاعر، فلماذا نلطّخ وجه الأدب باحابيل السياسة، وما درى القائلون بهذا إن أدباً لا يتحسّس آلام الناس، ولا ينتفض للدفاع عن بلدانهم وأمّتهم هو قلة أدب وحسب. في العام 1955 عبّر الشاعر القروي رشيد سليم الخوري عن استشعاره بالخطر الـداهم الـذي يهـدّد الأمّة العربية، واذاع صرخة مدوية عـبر رسالة منه الى جورج صيدح، صاحب كتاب الشعر العربي في المهجر الاميركي، جاء فيها :
"إنّ الأمّة العربية – أمّتنا لا سواها – على شفا جرف من التشريد العام، وعلى أديبها قبل أي جندي فيها أن يفتح العيون على هذه الحقيقة المرعبة، لا أن يزيدهن غمضاً وسياحة في عالم الاحلام، وإني لأعيذُ كتّابَنا وشعراءَنا اللاهين منهم بالزهور والخمور والشهوة الحمراء، والمعالجين منهم كلّ فنون النظم والنثر – ما عدا أدب الواقع المرير، أدب الحاجة الملحّة، أدب النضال الطبيعي الشرعي، في سبيل البقاء، إني لأعيذُ هؤلاء الإخوان العباقرة أن يحيّروا التاريخ يوماً، في أي عصر وجدوا، ومن أي أمّة كانوا". 
وإذا ما نظرنا الى أدب نعيم خوري، شعراً ونثراً، فهل تعتقدون للحظة انّه قد يحيّر التاريخ؟. لا، لم يترك نعيم مجالاً للتاريخ في أن يتحيّر، فقد بارك حجارة أطفال فلسطين لحظة انطلاقها بوجه الاحتلال الصهيوني، لأنّها ستلصق كلّ مواثيق الاستسلام – الذي يسمونه سلاماً – بقفا الرعاع، كما ضمَّنَ نتاجه رأياً في الحـداثة والتراث، وفي الشعر الكلاسيكي والحديث - شرط ألاّ يكون معقّداً كقضيب الزعرور – وفي الحياة والوطن والمرأة، وفي الإيمان والدين والموت.
نعيم الإنسان، المؤمن بالله وبالإنسان، اغترب عن وطنه لبنان قسراً، لكنّه أحبّه، وشهد له، فقال:
لبنان الإنسان والأرض، أحبّ، وله أشهد". وكما أحبّ نعيم وطنه والإنسان، أحبّ الإنسان في كل وطن، وبقدر هذا الحبّ الكبير كره الوحش في صورة اللحم والدم، المتلبّس صورة بشرية  في أنظمة العولمة الهمجية والقرصنة العلنية. وبقدر ما أحبّ الإنسان وأراده متجذّراً بأرضه وتراثه، أراده متحرّراً من قيود الماضي، منطلقاً في رحاب الكون، زاده تراثه، وما اختزن هذا التراث من قيم أخلاقية واجتماعية وإنسانية، عدّته ما تسلّح به من ضروب المعـرفـة وفـنـون العلم، التي تعينه في ارتياد مسالك التطوّر والحداثة والعصرنة: "علّمتني الحياة أن لا حديث \ نهضوي، وليس فيه ابتكار \\ اعطني الشعر مبدعاً أزلياً \ وتخيّر.. إن الحياة اختيار". تخيّر أيّها الشاعر أن يكون شعرُك مرسلاً، طليقاً، موزوناً، وإن اختلفت فيه المعايير، عمودياً كلاسيكياً، شرط أن يكون فيه ابتكار، وأن تكون الرؤيا الشعرية ملهَمَة، ففي ذلك يكون الشعرُ أزلياً، ويتخطّى حدود الزمان والمكان. وقال الشاعر خوري: "في سيدني، كما في بيروت، أدركت إنّ مصيبة الشعر هي في التهريج، الذي يسود بعض الأوساط الأدبية، ويقال فيه شعراً. ورأى "إنّ الأدب محبّة، فاذا تخلّى عن المحبّة تخلّى عن الأخلاق والإيمان، تخلّى عن الحياة، فبالمحبّة تتوهّج الحياة عمقاً وأبعاداً، وتكتمل. وأوصى الشعراء أنْ لا يكتبوا بدموعهم  بل باللهب الإنساني المتجدّد فيهم. ورأى "إنّ الشاعر لا يكتب القصيدة، بل هي تأتيه نبؤة، وللشاعر فضل الإداء". أما الأشكال الشعرية، ضاقت أم اتّسعت، لا تحصر الشعر، ولا هو ينحصر فيها، بل هي تستضيفه، فيتّخذ منها ساحة أشبه بميدان الآلهة، وينعي الشعر والأدب في الشرق العربي، حيث دجّنوه ليتوافق مع نزوات الحكّام، ورغبات الجهّال، فيقول: "لا تتّهموني بأني جاحد، فأنا \ في شرقنا العربي أنعي الشعر والأدبا \\ قـد دجّنوه.. وصار الشعر ملتوياً \ ونصّبوه على الجهال فانتصبا \\ ... \\ أدب العبيد تماثيل محنّطة \ فكيف تُنبت أصناماً جنةُ الأدبا". 
من يقرأ نعيماً لا بدّ واجد أن العنفوانَ يضجُّ في ذات الشاعر رغم كلّ الحرمان الذي أصابه بعد وفاة أبيه وهو في سنّ الطفولة، والمصاعب التي مرَّ بها في حياته، فلا السجن أرهبه، ولا محاولة الإعتداء على حياته في المغترب حدّتْ من هذا العنفوان، وظلَّ صوتُه هادراً بوجه الظلم والطغيان والإرهبِ الفكري من أي اتجاه أتى. الحالة المتردية في عالمنا العربي، بل في العالم أجمع، شغلت حيّزاً كبيراً من شعر نعيم، فخاطب أهل مصر محتجّاً على تقاعسهم، عن القيام بواجبهم في الدفاع عن مصرَ وعن الأمّة كلها قائلا ً:
"يا أبا الهول صمتُ الرعد يزعجني \ حتامَ رعدك محبوس ومعتكفُ". ثم خاطب العالمَ في قصيدة "زلزال الشرق" قائلاً : "يا عالم اليوم، أين العصر يأخذنا \ وهل لدار سلامٍ فيه متّسَعُ \\ هل الجبال التي زلزلتها سقطت \ أم يسقط الشعب والاصنام ترتفعُ \\ ... \\ إن كان وجه "مونيكا" شاهداً، فعلى \ وجه الحضارة غطّى الفسق والخلعُ \\ ... \\  في شرقنا العربي من أذنابهم بؤرٌ \  يكاد منها ضياء الشرق يمتقعُ \\ ... \\ مدّوا رقابهم للذبح صاغرةً \ وبوّسوا جزمة المحتلِّ واتّضعوا \\ إنّي لأبصر زلزالاً  يفجّرُنا \ وينثر الشرق أشلاءً ويبتلع". أوليس هذا ما يحدث في شرقنا العربي ومغربه اليوم، تارة باسم الدين وتارة باسم الديمقراطية ومرة ثالثة تهليلاً "لربيع الثورات" ذات الصناعة الاميركية التي شرّدَتْ شعوبنا، ودمّرت بلداننا، ولم تبقِ فيها حجراً على حجر، مستظلّة من أجل ذلك راية "الفوضى الخلاّقة" التي بشَّرت بها كونداليزا، ويتساءل: "متى يقوم نظام واحد بطلٌ \ في الشرقِ حتى بظلِّ المجدِ يجتمعوا \\ لا للطوائفِ، بل للأرضِ في وطنٍ \ كلّ الولاءِ بكلِّ الحبِّ ينطبعُ". 
واذا كان نعيم قد رأى في الطوائف وفي التطوّفِ سبباً لتفتيت الأوطان، ووسيلة تساعد المحتلَ للوصول الى مآربِهِ، فقد رأى أيضاً أن التجارةَ بالأديانِ وتحميلِ نصوصِها ما ليس فيها، والظلمَ والبطشَ وسائل أخرى يستغلُّها المستعمرُ والمحتلُّ للوصولِ الى غاياتِه الخبيثة. لقد تعرّف نعيم في صباه الى فلسفة قومية اجتماعيةٍ علمانيةٍ ساهمت الى حدٍّ كبير في بلورة رؤياه القومية والاجتماعية وحفِّزته لمقاومةِ التعصّبِ الديني والطائفي فقال في ذلك: "يتنازعون على السماء والله سفر واحد \ ليس اقتتالنا للسماء شراع وتزهد \\ وطناه! ما شأن الطوائفِ والطقوسِ فتعبدُ \ الدينُ  ليس طوائفاً متناحراتٍ تلحدُ \ من كان يرضي ضميره، يرضي الله فيحمدُ".  ويسخر نعيم من أولئك الذين يكثرون من الصلاة ويرتكبون المعاصي فيقول : " يا مريم العذراءِ \ بعض صلاتنا كفرٌ \ وباطلُ رشوةٍ \ وحرامِ \ إني أصوم عن الخطيئة \ كافراً \ هل تقبلين تكفري \ وصيامي"؟!. ويتطوّر موقفه هذا الى الكفر برجال الدين رافضاً أن يكونوا، كما يعتقد البعض، واسطة العبور الى السماء فيتساءل: "من هو \ فاتحُ السماءِ بدربي \ بطرشين \ أم جبّة سوداءُ \عمرة! تغسلُ العقولَ \حخام دمويٌ \ أم عمةٌ بيضاءُ؟ \ إنّهم في الفسادِ \ زيرُ نساء". أمّا أولئك الذين يجدّفون على الله ويدعون النطق باسمه والحكم بأمره فيقول فيهم: "الله لا يفوِّضُ، ولا يكلّفُ أحداً \ الله اختار الإنسان فجعله على شكله ومثاله \ فويل للذين يشوّهون الشكل، ويزورون المثال". ثم يحذّر من أضاليل من يتاجرون بالدين جاعلين من أنفسهم واسطة الى الله، فيقول: "الواسطةُ الى الله هي الله نفسه مهما تشعّبت الدروب. واكتساب الارض هو الطريق الى استحقاق السماء". ونعيم، الملتزم فكرياً، يؤمن بالفكر النيّر سبيلاً للإرتقاءِ الى المراتب التي يستحق، ويرى أن أذلّ أنواع الفكر هو الفكر الذي يعاند في الباطل. 
ما أظن أن أحداً يمكن أن يختصرَ نعيم الانسان بصفحاتٍ ترتكز الى القمم الانسانية في شعره وأدبه، واذا ما أردنا أن نفي نعيم حقه، هذا إن استطعنا أن نفيه حقه، فلن يكون ذلك ممكناً ما لم نأتي على ذكر ما تتعرّض له بلادنا العربية من تدمير وتهجير وسرقة لمعالم حضارتها الضاربة في أعماق التاريخ، وما لم نشحذ الفكرَ والهمم للدفاع عن أرضها والإنسان. لقد أتمّ نعيم واجبه الإنساني فقال: "أردُّ للأرض ما للأرض من فرحي \ وللسماءِ ضميراً روّضَ الصُعُبَا". 
 كامل المرّ/ إيلاف
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال