من وراء دفع الجزائر إلى الفوضى؟

نعتقد أن ضعف الوعي والمعرفة بالآليات الإستغلالية الممارسة اليوم من بعض الطبقات الصاعدة وتزايد نفوذ الأوليغارشيات المالية في بلداننا تعود إلى تغييب وتراجع توظيف المنهج الماركسي في التحليل وتفسير العديد من الظواهر السياسية والإقتصادية والإجتماعية في السنوات الأخيرة، ويعود هذا التراجع إلى عدم تمييز بعض الباحثين بين الماركسية كأيديولوجية تراجعت بعد سقوط المعسكر الشيوعي والماركسية كمنهج تحليل وتفسير علمي للعديد من الظواهر لازال صالحا إلى حد اليوم، فنجد أكبر المدافعين عن الليبيرالية في الولايات المتحدة الأمريكية يستخدمون هذا المنهج، ومنهم فرانسيس فوكوياما مثلا الذي أستند على المنهج الماركسي في العديد من أعماله، ولهذا نرى أنه يستحيل مثلا تجاهل تفسير فردريك أنجلس في 1883 أسباب تخلف العالم الإسلامي بما أسماه الدائرة المغلقة، ولعله أستند على بن خلدون الذي تحدث بإسهاب عن ظاهرة ظهور وسقوط الدول في بلادنا المغاربية بعد مرورها بمراحل، فعادة ما تثور قبائل بدوية ضد الدولة بعد مدة من إقامتها وبدايات إستقرارها الذي هو ضروري لعملية البناء، ويستند هؤلاء المتمردون على إستغلال الدين متهمين الدولة القائمة بالإنحراف عن الشريعة والعقيدة، ثم يكرر الحكام الجدد إعادة بناء دولة أخرى من الجذور بعد تحطيم كل إنجازات ومؤسسات الدولة التي أسقطوها، لتثور عليهم قبائل أخرى بمجرد ما يبدأوا في الإستقرار رافعين ضدهم نفس الشعارات والتهم التي رفعوها أصحاب الدولة الآيلة للسقوط بهدف إسقاط الدولة السابقة وإقامة دولتهم، فبقيت بلداننا تدور في دائرة مغلقة، لكن نعتقد أنه في العالم المعاصر أضيف إلى ذلك الإقتصاد الريعي الذي أصبحنا سجناءه، ولم نتمكن من الخروج منه، لكن أثبت محمد عابد الجابري في دراسته للعقل السياسي العربي بأن الريوع اليوم لاتختلف عن الخراج والغنائم في الماضي.
يجب علينا الإشارة أن جزائر اليوم على فوهة بركان أو بعبارة أصح برميل بارود يسرع إنفجاره قانون المالية التمهيدي لعام 2017، والذي سيضرب جيب المواطن البسيط بدل الأغنياء بسبب الأزمة المالية الناتحة عن إنهيار أسعار المحروقات، ويدل هذا القانون على مدى تغول أوليغارشية مالية وأصحاب مصالح إقتصادية في الجزائر..
 وهو ما يطرح بجد مسألة التوزيع العادل للثروة بين مواطنيها، والتي تراجعت بقوة منذ عقود، فقد كان من المفروض أن تحل مشكلة المداخيل بتفعيل أجهزة الجباية الضريبية لمواجهة التهرب الضريبي من أصحاب الأموال الضخمة على عكس البسطاء والأجراء الذين يعملون في مؤسسات الدولة، وتؤخذ الضرائب مباشرة من أجورهم على عكس الخواص، ان هذا الوضع شبيه جدا بوضع الجزائر عشية الإحتلال الفرنسي في 1830، فقد أستغل هذا الإحتلال التباعد الكبير بين السلطة القائمة آنذاك والمجتمع الجزائري، ووجد هذا الإستعمار في بداياته غضبا لدى الجزائريين بسبب سياسات الطبقة الحاكمة آنذاك التي كانت تنهب الشعب الجزائري بواسطة الضرائب الظالمة والمجحفة في حقه، وذلك كله كي تلبي وتبقي على نفس نمطها الإستهلاكي المترف جدا على ظهر الشعب الجزائري، فازدادت تلك الضرائب بشكل كبير بعد ما أنهارت الموارد المالية الآتية من البحر بسبب الضعف الذي ألحق بالبحرية، فقد كان المورد المالي الرئيسي لجزائر العهد العثماني هو البحر والمكوس التي كانت تدفعها لها عدة دول مقابل حماية سفنها التجارية من القرصنة في البحر الأبيض المتوسط، فقد كان البحر آنذاك بموارده يلعب دورا شبيها بالمحروقات اليوم، فقد أدى اللجوء إلى زيادة الضرائب بسبب العجز المالي إلى فوضى عارمة نتيجة ثورات وغضب بسبب تلك السياسات المجحفة، والتي تشبه بعض السياسات المالية التي تم اللجوء إليها اليوم، فدخلت الجزائر آنذاك في حلقة مغلقة بين الإنتفاضات ضد السلطة بسبب الضرائب والجباية المرتفعة من البسطاء، وهو ما أستدعى قمعها والقضاء عليها، وهو ما أدى إلى زيادة الإنفاق الأمني الذي دفع بدوره إلى رفع تلك الضرائب أكثر بسبب تزايد الإنفاق الأمني، فأصبحت الجزائر تدور في دائرة مغلقة صعب الخروج منها حتى أنهارت، وسقطت بسهولة في يد الإحتلال الفرنسي، وقد تسارع الإنهيار بفعل صراعات وألاعيب ومؤامرات بين عناصر الطبقة الحاكمة آنذاك . 
ومن حقنا أن نتساءل اليوم هل ستتكرر جزائر التسعينيات بعد إنهيار أسعار النفط بإنعكاساته الإجتماعية المغذية للإرهاب؟، ولعل يجيب البعض أن الجزائريين قد أكتووا بتلك الأزمة، لكن غاب عنهم ظهور جيل جديد لايعرف الكثير عن تلك المجازرالإرهابية، لأننا غيبنا تدريس تاريخها لأبنائنا في المدارس كي لا تتكررهذه الظاهرة، وفضلنا طمسها والسكوت عنها.
نعتقد أن الوضع اليوم في الجزائر أخطر بكثير من الثمانينيات، لأن الوضع الجديد متزامن مع أزمة دورية حادة للرأسمالية شبيهة بالأزمة التي عرفتها فرنسا عشية 1830 بإضطراباتها الإجتماعية التي لم تجد لها حلا لإنقاذ فرنسا من المشاغبين والجائعين إلا بإحتلال الجزائر ثم تهجيرهم إليها كمعمرين، وهناك أيضا مخطط سايكس بيكو جديد هدفه تفكيك النظام الأقليمي العربي على أسس طائفية وإثنية وعرقية، والذي سيصبح سهلا تنفيذه لأن الأزمة الإجتماعية المنجرة عن إنخفاض أسعار النفط، ستغذى أكثر حرب الهويات وكل العصبيات الدينية والطائفية واللسانية والقبلية والجهوية وغيرها، والتي ستوظفها بعض عناصر النظام للإبقاء على سلطتها ونفوذها بناء على سياسة فرق تسد.
كما جاءت التحديات الأمنية على حدود الجزائر متزامنة مع هذه الأزمة المالية الحادة، فليس كافيا توفر جيش قوي لحماية الحدود إذا لم يصاحبه إقتصادا قويا وموارد مالية معتبرة، فقد أنهارت أمبرطوريات كبرى بسبب عدم توفر كلا الشرطين جيش قوي وإقتصاد قوي حسب دراسة المؤرخ الأنجليزي بول كنيدي حول نشوء وسقوط الأمبرطوريات، فأنهارت أمبرطوريات تمتلك جيشا جرارا، لكن إقتصادها ضعيف كالإتحاد السوفياتي، وينطبق هذا المبدأ على كل الدول التي تعاني تحديات أمنية كبيرة، وهو مايتطلب الإستنجاد بعبقرية خبرائنا الإقتصاديين لإيجاد حلا لهذا الوضع والكف عن الإعتماد على إنتهازيين يبررون كل السياسات رغم علمهم في قرارة أنفسهم بأنها عديمة الفعالية، أليس من المؤسف ان يبرر هؤلاء سياسات إمتصاص الغضب الإجتماعي بشراء ذمم شباب غاضب بأموال لونساج، فقد كان من المفروض توظيف تلك الأموال في إنشاء مؤسسات إقتصادية صغيرة ومتوسطة منتجة وخالقة للثروة ومناصب الشغل.
لسنا هنا للتباكي على الماضي وأخطائه ونقد ولعن وسب النظام كما يفعل الكثير من سياسويينا الذين يستغلون ذلك، ويكررون علينا على بلاتوهات التلفزيونات تصوير وضع الجزائر الإجتماعي المزري، والذي يعرفه أبسط مواطن، فليس أسهل من النقد واللعن، فما نحتاجه هو إعطاء الحلول والتفكير في البدائل بجدية، فالجزائر في حاجة اليوم إلى وقوف جميع أبنائها لإنقاذها من خطر محدق بها. 
البروفسور رابح لونيسي - جامعة وهران/الحوار المتمدن
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال