كتاب “انتحار رجل سخيف” الجميع مهدد بالغياب ولا شيء يستحق الذكر

تعكس الكتابة الحالة النفسية والوضعية الاجتماعية لصاحبها، لتأتي البعض من النصوص تعبيرا عن الضجر أو الملل، أو محاولة للوقوف بوجه الفراغ الأسود في القلب، والألم الناتج عن الخسارات ومواجهة تفاهات الحياة اليوميّة، لينعتق الكاتب من ذاته وقيودها، كضباب يطفو في غرفة مظلمة. ليكون حضوره في الزمن محط اختبارات متخيّلة أو واقعية، وتجريبا لما يمكن أن يأخذه من وضعيات وحالات في سبيل إيجاد تفسير لما حوله، ومواجهة للعبث المحيط به.

يحوي كتاب “انتحار رجل سخيف”، للكاتب السوري نور دكرلي، مجموعة من النصوص الأدبيّة التي تختلف مواضيعها وتقنياتها، تجمع بينها ثيمات الموت والخسارة والرحيل والإحباط الجنسي، لتأتي هذه النصوص كمحاولات للوقوف بوجه لاجدوى العالم، بوصفها اكتشافا لا يمكن التراجع عنه، فهذه اللاجدوى أشبه بضربات متتالية تُلهب المخيلة حد الاستغناء عن يد أو قلب أو حتى أحد الأبوين، علَّ الثِقل في الرئتين يتلاشى، وخصوصا في ظل الموت الذي يتقاسم مع الكاتب ملله ووحده، فالأول يبحث عمّا يملأ به فجوات القلب، والأخير يبحث عن ضحايا له ليسلخ أحلامها.
أشكال الأنا
تتنوع تقنيات الخطاب التي يعمل عليها دكرلي، في كتابه الصادر عن دار الغاية للنشر والتوزيع في دمشق، إذ إما نراه متأملاً، يحادث نفسه بضمير “الأنا”، وإما ملتقطا مواقف يوميّة وحوارات متخيّلة مع من حوله، من أفراد أسرته، أو موظفين رسميين يشيرون له بصفة المتهم، ليستنجد بمخيّلته في ظل غرائبيّة ما حوله التي تجرح اللسان كشفرة، فهو يعيش عبثا متتاليا، ذاك العبث الذي ينخر في قشرة الدماغ ويسبب التهابها.
هلوسات شخصية لا منتمية في عالم محطم
منذ النص الأول الذي يعترف فيه بـ”سخفه”، نراه ينزع عن نفسه تهمة الجديّة المفرطة، هو يكتب محاولا التخفيف عن نفسه فقط، أشبه بمن يكتب وهو على حافة القيء، بعد ليلة طويلة من الثرثرة والكحول، فهو يحفر أنفاقاً إلى غرفته القديمة وتفاصيله التي فقدها، أو يتحسس أنفه محاولا بيعه، هو يكتب ضجرا، مؤمنا أن لا خلاص ولا حل في الكتابة، هي أعراض ما قبل الموت، اشتداد الذراع قبل الجلطة القلبية التي ستودي به، أو أزيز رصاصة ستصيبه وهو يعبر الشارع، أطلقها شاب أرعن يحتفل بعرسه وخسارة بكارته.
الجسد في المجموعة يخضع لتحولات ووضعيات تجعله طينا قيد التكوين، قابلا للتشكّل والتغير، إذ يفقد حقيقة كونه “موجودا” وينتمي إلى صاحبه، ليصبح محط تساؤل، هل يمكن بيعه؟ هل يمكن أن يقسّم ويجزّأ؟ يعيد الكاتب رسم علاقة هذا الجسد من أقرب الناس إليه، فاللاتي أحبهن مثلا نراهن يتساءلن عن حقيقته، ما هو؟ أيشبه نفسه حقا؟ ويمتد ذلك إلى أجساد الآخرين، التي تتلاشى ولا تبق إلا أسماؤهم، التي يمكن أيضا أن تنسى، لا يبق شيء يستحق الذكر، الجميع مهدد بالغياب، بأن يتحول إلى نص مشابه لما يكتبه، إلى مجرد هلوسات رجل سخيف يريد الانتحار.
في النص المعنون “انتحار سخيف”، نقرأ كيف تحول الموت إلى مهرجان علنيّ، بوصف الموت مفهوما يستدعي أن نشاهده ونتهامس حول أولئك الذين اتخذوا قرار الرحيل، فالمُنتحر لم يعد وحيدا، الكثيرون على الحواف يرقبون سقوطه، مشاهدون يصفقون ويصفرون لمن يقدم نفسه قربانا للموت، يحيلنا هذا الموت إلى ما نشهده يوميا من حولنا، لا يمكن أن ترحل وحيدا الآن، لا بد من أعين تراقبك، تشهد جاحظة لحظة اختيارك الرحيل، لتُحاكم رمقك الأخير، لتمنحك الشفقة أو الفخر بشجاعتك، فالموت فقد خصوصيته، أشبه بالإعلانات التي تروج للواقيات الذكريّة، هي بضاعة علنيّة لفعل حميمي، وهذا ما نقرأه في النص، إذ يطلب قبل انتحاره أن يرحل الجميع، الموت له فقط، لا يشاركه مع أي أحد.
حساسية اليومي
يترك دكرلي الاحتمالات مفتوحة ضمن تفاصيل الحياة اليوميّة، ويسعى وراء ما لم يحدث، كأن يقرأ عامل البلدية رسائلك التي رميتها ولم ترسلها لحبيبتك، أو أن تُعلق أختك بدل شجرة عيد الميلاد تزينها بدموع الوالدة. القسوة التي يصورها دكرلي في نصوصه لا تثير البكاء، هي أعراض جوهرية لداء الموت، كل الخسارات بعده هامشية، تافهة، لا يهم ما سيحدث، كمن يجمع بتأن نشوة أشلاء دمية ليدفنها إلى جانب أشلاء من أحب، الدميّة حين تكتمل ستسلي في القبر ذراع ورئة و كاحل الحبيبة الذي اعتاد تقبيله، ليست الحقيقة ما يُراهن عليها في النصوص، بل الاحتمالات لما يمكن أن يحدث، لو لم تكن كل النهايات سخيفة، كما كتب في أحد النصوص.
يتسلل دكرلي إلى داخل نفسه، نقرأ كيف يكتشف صمم حواسه وخرسها وعماها، هو متكور في إحدى زوايا جسده، تلتهب ذاكرته لينسى شكل وجهه، حتى صوره لم تعد مألوفة، لتتقمص “الأنا” الذي في داخله أجساد الآخرين، هو كل فقيد لأم تبكي، هو كل من لوّح بعيدا لوالده في الطريق إلى المجهول، فالكاتب الشاب يعيد سرد ومضات من ذاكرته، أما الآن وما يمر به حاليا، فهو مزيح من الوحدة والصراع البيروقراطي من أجل أوراقه الرسميّة، إذ نقرأ كيف ينتظر في طوابير طويلة ليحصل على ورقة من الأمم المتحدة، لينال الاعتراف بوجوده، الاعتراف المؤسساتي بأنه كغيره، مهجّر فقد وطنه، وعليه تحديد انتماءاته هناك لتعطف عليه الإنسانية، فكما يكتب “في مقر الأمم المتحدة تغتصب بشرعيّة”.
 عمار المأمون
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال