معرض باريسي يجمع ثلاثة تيارات فنية متباينة رسمت المستحيل

يحتضن متحف “مارموتان” بباريس حتى نهاية شهر يناير القادم معرضا فنيا فريدا يحتفي بثلاثة عمالقة هم السويسري فرديناند هولدر والفرنسي كلود مونيه والنرويجي إدفارد مونك، رغم انتمائهم إلى تيارات متباينة، للوقوف على الكيفية الفنية التي قارب كلّ واحد منهم الكون في عصر الصورة الشمسية وازدهار العلوم.
كيف يمكن جمع كلود مونيه (1840-1926) وفرديناند هولدر (1853-1918) وإدفارد مونك (1863-1944) في معرض واحد؟ أولا لأنهم فنانون أساسيون في الحداثة الأوروبية، بين الانطباعية وما بعد الانطباعية والرمزية.
ثانيا لأن أعمالهم تمتد إلى القرن العشرين – حتى 1918 بالنسبة إلى هولدر، و1926 بالنسبة إلى مونيه، وإلى غاية 1944 بالنسبة إلى مونك – وكان لها تأثير هام في تاريخ الفن. ثالثا، وهو الأهم، أنهم خاضوا تجربة مواجهة أسئلة لا حلول لها في الظاهر، بنفس العزيمة والمثابرة، ورغبة في القطع مع السائد وإن لم تجد الصدى المرجو لدى معاصريهم.
لا شيء إذن يوحّد أولئك الفنانين، فأكبرهم سنّا أي كلود مونيه انطباعي، فيما ينتمي هولدر إلى ما بعد الانطباعية ومونك إلى التيار الرمزي وإن تأثر في بداياته بالانطباعية، ولا شيء في سيرة الثلاثة يدل على التقائهم في باريس أو برلين أو سواهما، ولكن سؤالا هاما كان يقرّب بعضهم من بعض، إذ واجه ثلاثتهم مشكلة، في لحظة فارقة شهدت فيها الصور الشمسية ظهورها وتطورها، ألا وهي مواجهة “الموتيف”، لا سيما أنهم اهتموا بتصوير عناصر طبيعية محسوسة كالجبل والثلج والماء والشمس والليل.
هذه المشكلة التي يلتقون حولها لخصها فيليب داجان مؤرخ الفن ومستشار متحف “مارموتان” الباريسي الذي يعرض أعمالهم حتى موفى شهر يناير القادم بـ”تجربة الصعوبة”، حيث سيواجه كل منهم تمنّع الموتيفات الطبيعية التي ستتبدى لهم صعبة الإمساك أو عصية وحتى مستحيلة، بعبارة مونيه.
وينبري كل من جهته، تحت تأثير العلوم الفيزيائية والطبيعية، لإعداد سلاسل من اللوحات حول موضوع واحد وتكثيفها حدّ الهوس، كما هو الشأن مع مونيه في لوحات “كاتدرائية روان” و”جسور على التايمز” و”غدير جيفرني”.
ومع هولدر الذي ظل ينوع رسم المشاهد الألبيّة كلوحة “بحيرة ثون” وسلسلة “جبل ستوكهورن”، فيما كان مونك يركز على الثيمات نفسها: بيت أحمر، بحارة وسط الثلوج، أمام الغروب، ليل الشمال، أي أنهم كانوا يحملون قناعة بأن من مهمات الفن تَمثّل العالم، ولا سيما مناظره الطبيعية.
 الفنانون الثلاثة اختلفوا من جهة الأدوات الفنية المتبعة، إلا أنهم اجتمعوا في رسم الحداثة وفق مشروع جريء
كيف يمكن رسم الشمس الساطعة منظورا إليها بألوان بسيطة؟ كيف يمكن رسم الثلج؟ وكيف يمكن اقتراح ذبذبات الضوء على الماء أو على جذع شجرة؟ كتب مونيه يقول في هذا الصدد “عدت مرة أخرى إلى أشياء يستحيل إنجازها: ماء مع عشب يتموّج في العمق.. شيء يسرّ العين، ولكن الرغبة في إتيانه تدفع إلى الجنون..”، هذا الرأي كان يمكن أن يصدر أيضا عن هولدر الذي كان يمعن في دراسة أفق جبال الألب من شرفته، من طلوع الشمس إلى غروبها، حدّ الانهيار العصبي؛ أو عن مونك كذلك وهو الذي يستعيد الموتيفات الملونة نفسها مرارا، في رسم بيت أو غروب أو بحارة.
هذا التصور، الذي أوغلوا فيه أكثر من معاصريهم من جهة التساؤل والاستبطان، ظل قائما حتى مطلع القرن العشرين. وكانوا تبعا لذلك يتنقلون من بيئة إلى أخرى بحثا عما يجدر تخليده، فقد سافر مونيه مثلا إلى النرويج، وجاب هولدر مناطق الجليد في جبال الألب، فيما تنقل مونك عبر مناطق أوروبية كثيرة، بحثا عن أمواج الشمس الضوئية وآثارها اللونية وهو الذي ولع بالذرة والمغناطيسية، فقد كان يميل إلى رسم القرص الذهبي في حالة سطوعه، بينما كان مونيه وهولدر يفضلان رسمه عند الطلوع أو الغروب، أو وقت انتشار الضباب الرقيق.
إن اختلف ثلاثتهم من جهة الأدوات الفنية، فإن ما يجمعهم هو رسم الحداثة وفق مشروع جريء، يكاد يكون مستحيلا، للكشف عن خلود اللحظة وجمال المعيش اليومي في عالم كانت معاول الهدم الصناعية الغازية قد بدأت تطمس ملامحه.
نلمس ذلك جليا في لوحة مونيه “انطباع، شمس مشرقة”، حيث السديم، وقد احمرّ بأشعة الشمس، يلوّن الحمأ الرمادي لميناء لوهافر، وقد علقت جنب سلسلة شعاف الجبال التي أنجزها هولدر بألوان كيتش وأشكال محددة تكاد تكون متشظية، وقريبا منها شموس مونك الغاربة التي تختلط فيها عين الفنان بالقماشة.
ثلاث لوحات، إلى جانب أعمال أخرى شهيرة جيء بها من متاحف العواصم الغربية كبرلين ومدريد ونيويورك وأوسلو، تمثل ما يستعصي على الرسم، وتبين حدود الإمساك بعناصر هاربة، في أوقات ذات علاقة وثيقة بالشمس، مصدر النور، والعين المجردة التي تحاول بلوغه، وتصويره في حالاته المتقلبة، لجعل غير المرئي مرئيا، فالشمس وعين الفنان، بوصفهما حاضنتي الرؤية، تمتزجان داخل مرآة اللوحة.
“وبذلك تستعيض مادية عين الفنان في لوحات مونيه وهولدر ومونك عين الربّ، ضامن انسجام الكون في الفنون الكلاسيكية”، كما يقول فيليب داجان، وتترافق تلك الوحدة الميتافيزيقية بقلق عميق حاضر لدى الفنانين الثلاثة أمام الموت والسرمدي والفوضى، وكأن الطبيعة في تخيلهم مسكونة بقوى غريبة غامضة. 
 أبو بكر العيادي - باريس/العرب
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال