سؤال للحوار: لماذا تتعاملون مع الإسرائيليين؟

13 أيلول هو يوم ذكرى توقيع «اتفاق أوسلو»، وقد مرت 23 سنة على ذلك الحدث، يوم قبلت «منظمة التحرير الفلسطينية» - وبالتالي العرب - بسلام مع الإسرائيليين، علّه يؤدي إلى إقامة دولة على جزء من أراضي فلسطين، فيما فازت إسرائيل باعتراف فلسطيني - وبالتالي عربي - بوجودها.
23 سنة مرّت من دون أن نرافقها بدراسات عما أفرزته عملية التسوية، وما آلت إليه، وعما كسبه الفلسطينيون والعرب من «السلام»، وما الذي أنجزوه، وعن أي دولة فلسطينية تعيش اليوم تحت ظل «السلطة الوطنية الفلسطينية»، وما الذي جناه الفلسطينيون وبالتالي العرب، وما الذي خسروه.
إنها تساؤلات لا تلغيها الأحداث التي تعيشها معظم الدول العربية، لأنها في جوهر حياتنا. السلام الذي وُقع في «أوسلو» (بعد اتفاقية «كامب دايفد»، وجاءت من بعده اتفاقيات عربية - إسرائيلية أخرى)، هذا السلام لم يتم بناء لرغبة شعبية عربية عارمة تطالب به، ولم يتمكن من إلغاء حالة الرفض الشعبي العربي لإسرائيل. العداء العربي لإسرائيل كدولة وكمشروع وكحالة أعمق بكثير من إمكانية حله باتفاقيات فوقية تُفرض على الناس، أو لا يستفتون فيها، وهي بالتالي اتفاقيات تنتمي إلى الحالة الديكتاتورية التي تتميّز بها كل الأنظمة العربية.
إذا كان الرافضون للسلام مع إسرائيل يعرفون جيداً أسباب موقفهم، ويطرحونها في كل مناسبة، حيث إسرائيل كيان مغتصب لأرض فلسطين والمعركة معها معركة وجود، معتمدين في خطابهم على الممارسات الإسرائيلية نفسها، من حروب واعتداءات واقامة مستوطنات والتحكم بشرايين المرافق التابعة للسلطة الفلسطينية وتطويق الرئيس الراحل ياسر عرفات حتى موته في «المقاطعة» وغير ذلك من العناوين، فإن الفريق الذي يقيم الحوار مع الإسرائيلي أو يتعامل معه أو يسير في ركب التطبيع، إنما هو فريق لا يقدم أطروحات متناسقة تبرر خياراته.
يستخدم المنضوون في حالة السلام تبريرات تنطلق من الضعف العربي، إلى الحالة الحداثية في إسرائيل، وأهمية احترام الاتفاقات الدولية التي وقعنا عليها، وعدم جدوى حالة العداء، وأكثر التبريرات استخداماً في الفترة الحالية هي الرد بأن الطرف الآخر (المقصود هنا العربي الرافض للحوار وللسلام وللتطبيع) إنما هو «قومجي» ومتخلّف وديكتاتور وخريج محاكم التفتيش ومدافع عن أنظمة تقصف شعبها بالبرامل.
لا تقدّم هذه التبريرات أي عامل إقناع لرافضي السلام. فتصنيف «قومجي»، هو في حقيقته ليس تعبيراً علمياً إنما هو ناتج عن حالة عصبية مردها العداء لمحور إقليمي يضمّ بشكل خاص إيران والنظام السوري. أما حالة التخلّف فهي لا تنطوي فقط على المعادين للسلام، إنها وباء يرزح تحته العالم العربي كله، وتهمة «محاكم التفتيش» تأتي في إطار الشتائم المتبادلة التي ينهل فيها كل طرف بمعين من قواميس التعابير العالمية «الطنانة»، إضافة إلى أن الكلام عن حداثة إسرائيل لا يبرر لها احتلال أراضٍ فلسطينية، خاصة أن هذا التبرير ينتمي إلى الأدبيات الكولونيالية التي أجازت للأكثر تقدماً استغلال الشعوب «الأقل حضارة» وقتلها واحتلالها. أخيراً، يأتي التبرير «الموضة» والمتعلق بدعم نظام عربي قتل شعبه، وهو لافت من حيث قدرة مَن يسوّقه على خلط «الأمراض» للانحياز للمرض الأكثر خطورة. حيث لا ينتبه سائقوه أن العداء لإسرائيل إنما هو عداء لها كدولة قامت في مقابل تهجير وقتل شعب ودولته وحجة وجوده، فيما العداء لأي نظام لا يعني العداء للدولة التي يحكمها، والخلط بين العداءين هو خلط في المفاهيم. إنه كمن يستسلم للسرطان ليُحارب «السل».
بعد 23 عاماً على «اتفاقية أوسلو»، وبعد تحقق عدد كبير من المخاوف التي ساقها الرافضون لـ «السلام»، خاصة في ما يتعلق بخوفهم من أن يتبع هذه الاتفاقية انقسام حاد بين الفلسطينيين، ثمة أسئلة تُطرح على المدافعين عن التسوية، أو القابلين بها، أو المطبّعين مع الإسرائيليين، أو المتحاورين مع الإسرائيليين، برغم التفرقة الضرورية بين هؤلاء، إذ ثمّة مع يطبّع من باب الخيانة وثمّة مَن يتحاور وهو مؤمن بأن الحوار يفيد الفلسطينيين والعرب وشتّان بين المثلَيْن. لكن الأسئلة التي تُطرح عن جدوى خياراتهم هي أسئلة موحّدة، لأن هذه الخيارات – برغم تعارض غاياتها - إنما صبّت في مكان واحد ضد جزء من الشعب العربي الرافض للسلام وتوابعه.
ما الذي قدمته إسرائيل للفلسطينيين والعرب منذ توقيع اتفاقيات السلام؟ ما هو شكل الدولة الفلسطينية التي يُمكن أن تسمح بها إسرائيل؟ وكيف يمكن للحوار معها – أو مع جزء من مواطنيها - أن يعدّل مما تسمح به؟ هل انتهت حالة العداء الإسرائيلي للفلسطينيين والعرب؟ وفي هذا الإطار لماذا تزايد عدد المستوطنات الإسرائيلية؟ ولماذا بُني الجدار الفاصل؟ ولماذا تُشن الحروب على غزة وقبلها على جنوب لبنان؟

الضعف العربي له أسباب كثيرة ذاتية، لكنه أيضاً مرتبط بعوامل خارجية وبالتفوق الإسرائيلي. فهل الحوار مع الأقوى – المعادي لنا - يمكن أن يخفف من ضعفنا؟ وكيف؟
لماذا تقوم شرائح كثيرة من القابلين بالتواصل مع الإسرائيلي (خاصة من أصحاب السلطة أو المال) بتطوير علاقتها به بما يسمح بتقديم تنازلات لا تُقدم عادة للصديق، كمثال بيع الغاز المصري لإسرائيل بأسعار مخفضة؟ ولماذا تُسقط مجموعات وشخصيات ودول عداءها لإسرائيل وتقوم بمعاداة مجموعات عربية أخرى؟ كيف يمكن أن يكون الخلاف مهما اتسع بين أي مجموعة عربية وأخرى أكبر من الخلاف مع إسرائيل؟ وقياساً على ذلك، كيف يمكن لشخصيات عربية أن تتحاور مع الإسرائيلي وتتخطى حالة العداء والاختلاف معه، فيما تعجز عن محاولة فتح قنوات حوار مع شخصيات ومجموعات عربية لا تشاركها قناعاتها السياسية؟
هذه الأسئلة - التي تنطلق من القناعة بأن إسرائيل عدوة أبداً - لا تستبطن الاتهام لأي كان، إنها محاولة لفهم خيارات تدافع عنها دول ومجموعات وشخصيات ثقافية وسياسية وتجار عرب. بل إن لائحة الأسئلة لا تنتهي خاصةً أن المتحاورين مع الإسرائيلي لم يقدموا لنا صورة علمية عنه، حاوروه وتعاملوا معه ولم يدرسوه. ثمة خطاب يسيطر باعتبار أنه علينا أن نقدم أنفسنا للإسرائيلي ليفهم أننا لسنا متوحشين، فهل قامت الحركة الصهيونية باحتلال فلسطين وبناء دولة على أرضها في إطار حربها على «توحّشنا»؟ هل الشعب الإسرائيلي عبارة عن مجموعة من الأغبياء المضللين الذين سيحبوننا متى قام متنوّرونا برفع الغشاء عن أعينهم؟ ولماذا لم يحصل ذلك برغم مرور أكثر من عقدين على توقيع اتفاقيات السلام وبرغم التعاون الاقتصادي القائم بين شركات وتجار وسياسيين عرب وأطراف إسرائيلية؟
إنها أسئلة للحوار لأن المشهد البائن حتى اليوم لا يسهم في إحالة كف الميزان لصالح المتحاورين مع إسرائيل، والأمثلة لا تُحصى في زمن الحداثة المتقدمة حيث «السلطة هي سلطة الأكثر سرعة والأكثر مرونة، ومن يملك استراتيجيات التسريع وتباطؤ الحركة» وفق أطروحة الفيلسوف الفرنسي بول فيريليو.
قبل أكثر من عامين، نظمت وزارة الاعلام الفلسطينية جولة لإعلاميين للوقوف على «واقع مزارع النخيل في محافظة أريحا والأغوار، وعلى التهديدات الاسرائيلية باقتلاع ما يقارب 50 الف شجرة نخيل مثمرة، أي ما يشكل ما نسبته 33.8 في المئة من الاستثمار الزراعي، فضلاً عن جولة إلى جوار المستوطنات القريبة التي تنعم بأرض المواطنين ومياههم المسروقة». وفق بيان الوزارة هذه الأرض وقفية، أي أنها ملك للاوقاف. تم تأجيرها للقطاع الخاص منذ عشرات السنين. إن تدمير هذه المزارع يعني تدمير ثلث المحصول الفلسطيني من التمور وإلحاق خسائر مالية فادحة تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات بالمزارعين. وكانت «الإدارة المدنية»، ذراع الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، أصدرت قراراً بالاستيلاء على نحو 2400 دونم من الأراضي الفلسطينية، المزروعة بالنخيل في مدينة أريحا. وكان المسؤول عن «أملاك الغائبين في الإدارة المدنية» أخطَرَ 12 مزارعاً فلسطينياً بإخلاء أراضيهم خلال 45 يوماً من تاريخ الإخطار وتجريف أشجار النخيل فيها، في الربع الأخير من 2012، بادعاء أنهم لا يملكون الحق في زراعتها».
تقدم المزارعون الفلسطينيون بوثائق للإدارة المدنية، تثبت أنهم استأجروا هذه الأراضي، والتي تعتبر جزءاً من 5469 دونماً مسجلة على اسم وقف النبي موسى منذ القرن الثالث عشر بطريقة رسمية، ويعتبر أكثر من نصف مساحة هذه الأراضي موجود في المنطقة المصنفة «أ» والواقعة تحت السيطرة الفلسطينية الكاملة.
بالطبع لم يربح الطرف الفلسطيني هذه «المعركة» إنما الحادثة بذاتها تلخص – برأينا - ما آلت إليه عملية السلام، حيث الفلسطيني ممنوع من بناء مشروع اقتصادي ناجح، ومن التوهم أنه يمكن أن يمتلك قطعة أرض في أرضه، خاصة أن مزارع النخيل مدار الخلاف تنتج كميات من التمور التي نافست وتفوقت من حيث الجودة على التمر الذي تنتجه إسرائيل من مزارع أقيمت على أراضي محافظة أريحا.
أخيراً، يمكن القول رب ضارة نافعة فصورة المطرب التونسي صابر الرباعي مع الضابط الإسرائيلي ليست تفصيلاً بالطبع، لقد أحدثت صدمة كبيرة، وخفتت أصوات المدافعين عن خطوة الرباعي، لأنها جاءت لتذكرنا بأن المرور إلى ما أنتجته عمليات السلام لا يمكن أن يتم إلا عبر سلطة الضابط الإسرائيلي وبموافقته وبحسب أجندته. وهنا السؤال الأخير المطروح للحوار مع المنضوين بما أنتجه هذا السلام والمتحاورين مع إسرائيليين: كيف نرفع وصاية الضابط الإسرائيلي عن مسار خياركم؟

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال