كتاب شجون مصرية.. مصر "هبة النيل" أم "بلد المتناقضات"؟

"شجون مصرية" هو كتاب يحتوي على سبعة موضوعات متباينة ومتفرقة، لا يجمع بينها سوى أنها جميعاً تتعلق بالشأن المصري سواء الإعلامي أو الفكري الثقافي أو السياسي.
مؤلف هذا الكتاب هو المفكر المصري يوسف زيدان. ولد زيدان في عام 1958م في صعيد مصر، وتدرج في المراحل التعليمية المختلفة حتى حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة الإسكندرية في عام 1989م، ثم أنشأ قسم المخطوطات في مكتبة الإسكندرية وعمل رئيساً له، وأشرف على تحقيق عشرات المخطوطات المهمة، كما أنه عرف بمشاركته في المجال الأدبي الروائي، فكتب عدداً من الروايات التي لاقت شهرة واسعة في الأوساط الأدبية المصرية والعربية.
ومن أهم روايات زيدان: "ظل الأفعى"، "عزازيل"، "النبطي"، "محال"، "جونتانامو"، وحصل زيدان على جائزة البوكر لأفضل رواية عربية عام 2009م عن رواية عزازيل التي تمت طباعتها عشرات المرات، وتمت ترجمتها إلى عدد من اللغات المختلفة.
وقد عرف عن زيدان تقديمه لعدد من الأراء السياسية والفكرية فيما يخص الشأن المصري وخصوصاً فيما بعد ثورة يناير 2011م، فكتب العديد من المقالات الأسبوعية المتعلقة بأحداث تلك الثورة وتداعيتها في المجتمع المصري ومن أهم الكتب التي كتبها زيدان في ذلك الميدان "دوامات التدين"، "فقه الثورة"، "متاهات الوهم".
شجون مصرية
"شجون مصرية" هو كتاب يحتوي على سبعة موضوعات متباينة ومتفرقة، ولا يجمع بينها وبين بعض سوى أنها جميعاً تتعلق بالشأن المصري سواء كان ذلك فيما يخص المجال الإعلامي أو المجال الفكري الثقافي أو المجال السياسي.
في بداية الكتاب، يفسّر الكاتب سبب اختياره لعنوان الكتاب، فيقول إن كلمة شجون التي اعتادت أن تستحضر شعوراً عميقاً بالحزن والأسى، هي في حقيقة الأمر لا تعني ذلك وإنما تعني بحسب معاجم اللغة العربية (التداخل والتشابك ما بين غصون الأشجار وبعضها البعض)، ولكن ارتباط الكلمة بالحزن، بسبب قربها صوتياً بكلمة (شجو) التي تعني الحزن والهم.
وبعد ذلك التعريف، يوضح زيدان أن كتابه سوف يشهد تداخلاً في الموضوعات التي قد تحمل جرعة من جرعات الأسى والهم للمصريين، لأنها سوف تلمس جروح ومخاوف ونقاط ضعف المجتمع المصري.
 الموضوع الأول في الكتاب بعنوان "اعتياد العجائب"، وفيه يتناول الكاتب الكثير من النقاط  المتناقضة في المجتمع المصري والتي اعتاد المصريون عليها بحكم تكرارها يومياً، بحيث أصبحت أموراً عادية لا تثير الإندهاش.
أولى تلك الأمور، هو القول الشائع على ألسنة عامة الناس وخاصتهم بأن "مصر هبة النيل"، يرى زيدان أن القبول المجتمعي لتلك الجملة المنسوبة إلى المؤرخ اليوناني الأشهر هيرودت هو أمر يستدعي الكثير من التعجب.
ويعترض زيدان على وصف مصر بالهبة، سواء كانت تلك الهبة من النيل كما قال هيرودت أو من المصريين أنفسهم كما قال عدد ممن أخذتهم الحمية الوطنية.
يرى زيدان أن مصر وحضارتها هي ثمرة للكثير من الجهود المبذولة من عدد من الملوك والأتباع الواعين الذين استغلوا عدداً من اللحظات التاريخية المهمة التي ساد فيها الهدوء والسلام في صناعة مجد مصر وحضارتها.
ويبيّن زيدان اعتراضه على وصف مصر بالهبة، لكون فكرة الهبة في الأساس هي فكرة مرتبطة بالدين، ففي اليونان القديم كانت الألهة تتخذ صفة "الواهب"، أي الذي يعطي بغير حساب وبغير حدود، كما أنه في المسيحية كذلك فإن تلك الصفة قد تجسدت في المسيح الذي صار هبة الله للبشرية لإنقاذهم وتخليصهم من خطاياهم.
ويلفت زيدان نظر القراء، إلى أن كلاً من بابا كنيسة الأقباط الأرثوذكس وبابا كنيسة الروم الأرثوذكس، يشتركان في نفس الإسم، فالأول يحمل إسم (تواضروس) والثاني يحمل إسم (ثيودوروس)، والإسمان بمعنى واحد وهو (هبة الله)، وهو الأمر الذي يرى فيه زيدان تأكيداً على عمق فكرة الهبة في الفكر المصري المسيحي.
ويعتقد زيدان أن هناك عدداً من الأخلاقيات والمعتقدات والقيم والعادات التي صارت قريبة من العقل المصري الجمعي كنتيجة لاقتناع المصريين بفكرة أن بلدهم هبة وعطية، وقد أدى ذلك إلى ترسيخ لفكرة "انتظار الحل السحري الغيبي"، وهو ما أدى إلى شيوع الثقافة الإتكالية وشيوع حالة من السطحية في تناول القضايا والمشكلات.
تلك الثقافة نتج عنها سيل من المتناقضات في المجتمع المصري، فالمصريون لا يكفون عن انتقاد صناع الأفلام الهابطة ولكنهم في الوقت نفسه يُقبلون على مشاهداتها بكثافة.
وهم لا يكفون عن انتقاد المصنوعات الصينية الرديئة الرخيصة الثمن، ولكنهم مع ذلك يقبلون على شرائها ولا يكفون عن استخدامها.
وكذلك الحال بالنسبة للإعلام، فهناك شبه اتفاق على رفض المصريين لما يجري في الوسائل الإعلامية من سفه وابتذال وإسفاف، ولكنهم مع ذلك يتابعون هذا الإعلام الفاسد بشغف ونهم.
ويرى زيدان أن حالة التناقض تلك قد تسرّبت عبر السنين إلى داخل التراث الشعبي المصري، وهو ما يظهر بشكل واضح في الأمثال العامية، التي تتناقض مع بعضها البعض.
فمثلاً هناك أمثال تدعو للتخصص، مثل "أعطِ العيش لخبازه" وفي نفس الوقت هناك أمثال تتهكم على فكرة التخصص مثل "باب النجار مخلع".
ومن أمثلة ذلك التناقض أن المصريين في بعض الأحيان يستخدمون السباب عند المدح، كما أنهم في أحيان أخرى يمدحون من يريدون سبّه.
فمن الشائع في المجتمع المصري أن تجد أحدهم يهنئ آخر بنجاح حميته الغذائية بقوله (ما شاء الله خسيت كتير) وهي عبارة يقصد منها المديح والثناء، رغم استخدامها للفظ (الخسة) والتي مضمونها الدلالي هو المذمة الواضحة.
وفي مقابل ذلك، قد تجد أحد المسلمين يعرض بمسيحي بقوله واصفاً إياه (عظمة زرقاء)، برغم أن تلك التسمية ترجع في الأساس لتبيان عمق إيمان المسيحي وحمله للصليب على كتفه حتى تزرق عظامه.
ويرى زيدان أن حالة التناقض المصري قد ظهرت بشكل واضح فبعد اندلاع ثورة يناير 2011م، حيث صار المصريون يذهبون إلى ميدان التحرير مطالبين بمطلب معيّن فلا ينقضي شهر أو شهران حتى يذهبوا هم أنفسهم مرة أخرى للميدان كي يطالبوا بمطلب مناقض لمطلبهم الأول.
الموضوع الثاني في الكتاب، بعنوان "الدين والتديّن والمديونية"، وفيه يناقش يوسف زيدان ما ورد في أحد التقارير التي نشرت في صحيفة غالوب Gallup    الأميركية، من كون المصريين هم أكثر شعوب العالم تديّناً. يرى زيدان أن هناك عدداً من الأخطاء الفنية في أسئلة هذا التحقيق، فقد كان السؤال الرئيس الذي يوجّه للمشارك هو (هل الدين جزء مهم في الحياة اليومية؟)
ولما كانت الأوضاع السياسية المنتشرة في مصر قبل ثورة يناير، لا ترى في الاعتراض فضيلة، وتحض على الإجابة بنعم في أي استفتاء، فقد كان إذن من الطبيعي أن يجاوب الألف مصري الذين شملتهم عملية الاستفتاء والتحقيق على السؤال بـ(نعم)، ويفسّر زيدان ذلك بقوله: "إن الشيطان وحده عندنا هو الذي يقول لا".
ويحاول الكاتب أن يفرّق بين مفهومي الدين والتديّن، فهو يرى أن الأول هو الأصل الإعتقادي الذي يتمثل في القرآن ومتون السنة عند المسلمين، وعند المسيحي في الأناجيل وأعمال الرسل، وعند اليهودي في التوراة والتلمود.
أما التديّن فهو "سلوك اجتماعي وعقل جمعي ينطلقان من الأصل الديني، لكنه لا يشترط أن يطابقاه".
ويضرب زيدان أمثلة على الفارق الذي يقصده، فالإسلام يدعو إلى توريث المرأة، ولكن في الصعيد يتم منعها من الميراث في الكثير من الحالات.والمسيحية لا تدعو إلى الختان، ولكن مع ذلك نجد أن المتدينين من المسيحيين يختتنون.
ولذلك يرى زيدان أن تقرير غالوب يتعلق بالتديّن وليس بالدين.
ويحاول زيدان بعد ذلك أن يربط ما بين التديّن والمديونية، فيرى أنه بمراجعة التقرير الأميركي، فإن أقل شعوب العالم تديناً هي دول (استونيا- فرنسا- اليابان- سويسرا)، بينما كانت أكثر شعوب العالم تديناً هي (مصر- بنغلاديش)، وهذا يعني – بحسب وجهة نظر زيدان- أن هناك علاقة بين زيادة التديّن والاستدانة، ويفسّر ذلك بأن "الاستدانة مهادنة والعجز عن السداد بلاء، ومع المهادنة والبلاء يمكن اللجوء إلى التديّن الظاهري الذي هو المهرب الوحيد، أملاً منهم في أن يجدوا في الآخرة ما لم يحصلوا عليه في الدنيا".
الموضوع الثالث بعنوان "منظومة القيم"، ويحاول الكاتب فيه أن يُعرّف مفهوم منظومة القيم، فيقول إن القيمة هي كل ما يعتد به ويعد من الفضائل الأساسية في الحياة، وأهم القيم هي قيم (الحق- الخير- الجمال) وتتفرع عنها باقي القيم.
أما المنظومة فهي ارتباط عضوي ما بين القيم الكبرى والقيم الفرعية، ويحدث ما يمكن أن نسمّيه اهتراء المنظومة القيمية عند "حدوث تناقض بين ما هو نظري وما هو سلوكي، كأن يدّعي شخص ما الحب والمودة لشخص ما وقلبه ينضح بالكراهية والبغض لنفس الشخص".
ويرى زيدان أن ثورة الضباط الأحرار في مصر في عام 1952م، كان لها دور كبير جداً في اهتراء المنظومة القيمية المصرية، وذلك بعد استحداث عدد من القيم الجديدة المتناقضة مع سابقتها مثل (النقاء الثوري- مواجهة الإمبريالية- الفهلوة- الهمبكة)، وكذلك فقد زاد هذا الاهتراء في عصر الرئيس أنور السادات عندما تم استحداث قيم جديدة ناتجة عن عصر الانفتاح الاقتصادي وتجلّت تلك القيم في انتشار الفنون الهابطة وشيوع السبهللة والانتهازية.
ويرى زيدان أن ثورة يناير 2011م، كانت سبباً في ظهور كل التناقضات القيمية في المجتمع المصري.
فالصدق مثلاً واحد من تلك القيم، حيث ظهر بشكل واضح أن هناك إشكالاً في أعماله في مجالات السياسة والإعلام.
وكذلك قيمة الإصلاح، فقد تم استخدام ذلك المصطلح بشكل دعائي في أواخر عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، عندما كان ينصاع للضغوط الأميركية التي كانت تطالبه بإجراء خطوات "إصلاحية" سياسية في الدولة.
كما أنه في الوقت نفسه، تم استخدام ذلك المصطلح من قبل الجماعات الإسلامية التي تعمل في الحقل السياسي، فقد سمّت تلك الجماعات نفسها باسم "تيار الإصلاح السياسي". ويرى زيدان أن تلك الحركات لم تقدم أي مظهر من مظاهر الإصلاح عبر تاريخها، وهو ما أدى في النهاية إلى أن مصطلح الإصلاح "قد صار مصطلحاً دينياً أو حكومياً بلا دلالة".
القيمة الثالثة التي يتناولها يوسف زيدان، هي قيمة "الحرية"، حيث يرى الكاتب أن المصطلح القيمي قد تم استخدامه بشكل خاطئ ومتناقض على مدار التاريخ المصري، ففي الوقت الذي كان فيه الناصريون يرفعون شعارات الحرية، كان معارضوهم كلهم يقبعون في السجون والمعتقلات.
ويرى زيدان أن المصريين قد رفعوا شعار الحرية بوعي أو من دون وعي شعاراً لثورتهم "من دون ضبط لدلالة هذه الكلمة وبيان ارتباطها ببقية القيم التي يجب أن تتناغم في منظومة واحدة"، فكانت نتيجة ذلك حدوث حالة من الفوضى العارمة بعد يناير 2011م.
الموضوع الرابع بعنوان "أثر الفراشة"، ويتناول فيه زيدان العلاقة الملتبسة القلقة ما بين المثقف من جهة والسلطة الحاكمة من جهة أخرى.
يرى زيدان أن هناك اتجاهاً قوياً في الخمسين عاماً الأخيرة، يعمل على نصرة المثقف العربي المظلوم والمنتهكة حقوقه أمام السلطة الغاشمة، ولذلك كان من الطبيعي أن يتم استحضار قصص الكثير من المثقفين والأدباء والمفكرين من التراث الإسلامي، مثل الجعد بن درهم ومعبد الجهني وغيلان الدمشقي والحلاج والسهروردي وغيرهم من المثقفين الذين راحوا ضحايا للحاكم المستبد.
وفي مقابل هذا الاتجاه، ظهر اتجاه معاكسا يندد بـ"فقهاء السلاطين" الذين لم يكن لهم من هم سوى تحقيق رغبات وطلبات الحاكم، فتم التنديد بـ"أبو حامد الغزالي" الذي ناصر السلاجقة والعباسيين، و"نصير الدين الطوسي" الذي صاحب هولاكو وكان أحد مستشاريه، و"عبد الوهاب الشعراني" الذي عرف بكثرة تودده لحكام مصر من المماليك.
ويرى زيدان أن النظرة المتفحصة المدققة في ظروف وأحوال العلماء الذين عرفوا بمصاحبتهم لحكام عصرهم، تكشف بوضوح عن الظلم الذي تعرضوا له في عصرنا الحاضر، وذلك لأن لكل منهم ظروفاً معينة تبرّر له الاتصال بحكام عصره.
وبعد أن يشرح زيدان التطور اللغوي والدلالي لكلمة مثقف، فإنه يؤكد على دور المثقفين في إحداث التغيير في مجتمعاتهم، عن طريق عملية النقد والتجديد. فالمثقف يعمل على تأكيد وتطوير وتغيير منظومة القيم السائدة في مجتمعه، وهو أيضاً الذي يقدم رؤية استشرافية مستقبلية لأحوال مجتمعه.
تأثير المثقف إذن كتأثير الفراشة – بحسب وصف زيدان – فأدوات المثقف رقيقة حساسة، وتختلف بشكل كامل عن أدوات الحاكم العنيفة الغليظة، ولكن زيدان يصر على كون أثر الفراشة الذي يحدثه المثقف قادر على أن يحدث ثورات وزلازل تقوم باقتلاع أقوى العروش.
الموضوع الخامس بعنوان "رموز معاصرة"، وفيه يتعرض زيدان لتجربته الشخصية في التعامل مع عدد من رموز الحركة الثقافية في المجتمع المصري، ومنهم مصطفى حنفي وحسن حنفي ومحمد يسري سلامة.
الموضوع السادس وهو بعنوان "رفاعة الطهطاوي"
يعتبر زيدان أن رفاعة الطهطاوي  كان صاحب دور مهم في حركة النهضة المصرية الحديثة، فجميع المثقفين المصريين المعاصرين ما هم إلا أحفاد للطهطاوي بحسب تعبير زيدان.
يرى زيدان أن هناك علاقة ثلاثية قد جمعت ما بين (فرنسا- الطهطاوي- مصر)، ويصف تلك العلاقة الثلاثية بأنها "علاقة بين زوايا مثلث خفي امتدت أضلاعه من قبل نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، واكتملت خلال نصف قرن من الزمان".
يرى الكاتب أن بداية تفاصيل تلك العلاقة بمقدم الحملة الفرنسية على مصر في عام 1798م، ويحاول زيدان أن يظهر الأمور المتشابهة ما بين مصر وفرنسا في ذلك الوقت، فالإثنتان كانتا خاضعتين للحكم العسكري، الأولى تحت السيادة المملوكية والثانية تحت حكم الجنرال نابليون بونابرت.
وعلى عكس الكثير من المثقفين المعاصرين، فإن زيدان لا يرى أن بدايات النهضة المصرية الحديثة قد تزامنت مع مقدم الحملة الفرنسية، بل إن زيدان يعتقد أن بوادر النهضة والإصلاح كانت موجودة في مصر قبيل مقدم الفرنسيين، ويستدل على ذلك بعدد من الشواهد، منها أن أحد شيوخ الأزهر وهو الشيخ أحمد الدمنهوري - الذي توفي قبل قدوم الفرنسيس إلى مصر بسنين  - كان قد ألف في الطب والعلوم.
ومن الشواهد أيضاً، أن فرداً من عامة الناس مثل محمد كريم قد استطاع أن يرتقي في سلم المناصب حتى أضحى حاكم الإسكندرية.
ولم تعمّر الحملة الفرنسية كثيراً في مصر، فسرعان ما أنسحب الفرنسيون في 15 أكتوبر 1801م، وهو التاريخ الذي يوافق – ويا للعجب – تاريخ ميلاد رفاعة الطهطاوي!.
واستمر الارتباط ما بين الطهطاوي وفرنسا، ففي عام 1826م، سافر الطهطاوي إلى فرنسا برفقة إحدى البعثات العلمية، وكانت وظيفته هي إمام وواعظ للطلبة، ولكنه سرعان ما التحق بالبعثة نفسها كدارس للترجمة، وقضى في دراسته في فرنسا ما يقارب الخمسة أعوام. وبعد رجوعه إلى مصر، اشتغل في الترجمة وأسس مدرسة لها، وترجم عشرين كتاباً، كما أشرف على ترجمة عشرات الكتب الأخرى.
وفي عهد عباس حلمي تم نفي الطهطاوي إلى السودان، ثم رجع بعدها إلى مصر في عهد سعيد، واستمر في نشاطه العلمي في عهد إسماعيل حتى توفى في عام 1873م.
ويلفت زيدان نظر القارئ إلى ملمحين مهمين في شخصية رائد النهضة المصرية الأول، الملمح الأول هو سمة "التكامل المعرفي"، فالطهطاوي قد أحاط بالتراث المصري والإسلامي القديم، وبالتمدن الأوروبي المعاصر له، ثم قام بعمل مزج وخلط ما بين الخطين في محاولة لتأسيس نهضة مصرية تجمع ما بين الأصالة والمعاصرة.
ويظهر ذلك بشكل واضح في كتاب الطهطاوي الأشهر "المرشد الأمين للبنات والبنين"، حيث يرى زيدان أن هناك بعض الفقرات التراثية فيه لا يستطيع أي وزير تعليم حالي أن يضعها في كتب التربية والتعليم المعاصرة.
الملمح الثاني الذي يشير إليه زيدان، هو ذلك التعهد الذي كتبه رفاعة الطهطاوي لزوجته، وتعهد فيه صراحة بأنه لن يتزوج من أخرى وعلى أنه لن يتمتع بجارية أو ملك يمين.
الموضوع السابع والأخير، وهو بعنوان "الثورة الثقافية"، يبدأ زيدان ذلك الموضوع بتناول المعنى الدلالي لكلمة الثورة، وكيف كانت تلك الكلمة تتخذ معنى سلبياً في التاريخ والتراث الإسلاميين، ثم تحسن ذلك المعنى بعد نجاح ثورة الضباط الأحرار في عام 1952م.
ويختار زيدان تعريف عالم الاجتماع الشهير تايلور بأن الثقافة هي "الكل المركب من حياة جماعة، بكل ما يشتمل عليه من عادات وتقاليد ولغة ومعتقدات ومعارف عامة شائعة بين أفراد هذا المجتمع أو ذاك".
وعلى ذلك فإن تعريف يوسف زيدان للثورة الثقافية هو "الحركة المجتمعية الرافضة والهادفة إلى تغيير ما استقر في المجتمع من أفكار وأمور اعتقادية ورؤى عامة للكون".
وفي رأي زيدان، فإن الثورة الثقافية تختلف عن الثورة السياسية، ولكن مع ذلك فإنه من المؤكد أن أي ثورة سياسية تحتوي في داخلها على ملامح من الثورة الثقافية، ومن تلك الملامح "إسقاط السلطة البطريركية الأبوية وإعلاء شعار الحرية".
ويعتقد زيدان أن الثورة الثقافية أصعب بكثير من مثيلتها السياسية، كما أن أسلحة السلطة القائمة تختلف في كل حالة من حالات الثورة.
فالقمع قد يكون سلاحاً ناجعاً للسلطة لاجهاض الثورة السياسية، بينما يكون تشويه دلالة المصطلح حل للقضاء على الثورة الثقافية.
ويرى زيدان أنه في بعض الأحيان أنه قد يتم استخدام مصطلح الثورة الثقافية بشكل مضاد لها تماماً في حقيقة الأمر، ويضرب زيدان على ذلك أمثلة بما حدث في الصين في عهد ماو تسي تونغ وفي إيران في عهد الإمام الخميني.
وبعد أن يستطرد زيدان في ذكر الأحداث التي صاحبت تلكما الثورتين، فإنه يقوم باسقاط تلك الأحداث على ما جرى في  الثورة المصرية في يناير 2011م وما بعدها، فيوجّه اتهاماً مباشراً إلى كل من المجلس العسكري والإخوان المسلمين بكونيهما مسؤولين عن تشويه الثورة وعرقلة تطورها في الإطار الثقافي.
ويرى زيدان أن أهم النتائج التي ترتبت على ذلك التشويه هو "التفريغ الثقافي لمحتوى الثورة- ظهور الشعارات الجوفاء- انتشار الاتجاهات المتعصبة دينياً".
ويرى زيدان أن جميع الحركات الثورية في المنطقة هي في حقيقتها "مواجهات ثقافية تجري بين نوعين من التفكير أحدهما مشدود للنص الديني والأخر إلى الواقع المعايش".
ويخلص المفكر المصري إلى أن الطريق الوحيد الذي يمكن أن ينقذ المنطقة من تلك المواجهات العنيفة، هو "حدوث ثورة ثقافية للقضاء على كل تلك الأثار السلبية".
الكتاب: شجون مصرية
المؤلف: يوسف زيدان
الناشر: دار نون للنشر – القاهرة - 2016م 
مراجعة: محمد يسري محمد حسن
#يوسف_زيدان
 محمد يسري محمد حسن باحث مصري مهتم بالتاريخ الإسلامي والحركات السياسية والدينية.
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال