المغرب : العزوف الانتخابي ..هل من دواء؟

قد يكون من الضروري وبكل استعجال أن يفكر نشطاء حقوق الإنسان في بلدنا  وبالجدية الكافية للبحث عن أنجع الصيغ لإنصاف الفئة العريضة التي تمكّن منها داء العزوف، إنصافها مما تعرضت وتتعرض له من نعوت من قبيل االلاوطنية  والعدمية والتيئيس ، بل وصل هذا التحامل إلى حدود المطالبة من طرف بعض القيادات الحزبية  بإتخاذ إجراءات عقابية ضد من لحقهم داء العزوف ، أي ضد أولئك الذين يعكرون على الأحزاب الفوز المريح بسبب رفضهم أن يكونوا مجرد رقم في لعبة الأرقام التي تعطي شرعية الوصول إلى السلطة إلى هذا الحزب أو ذاك .
فكيف يمكن إنصاف هذه الشريحة الواسعة من المواطنين وتمكينها من استعادة حقها المهضوم ، والنظر إليها باعتبارها ضحية لسنوات الإصلاح وتدبير الانتقال الديمقراطي والتناوب على السلطة بمنطق المحاولة والخطأ ، وأنها ضحية ما لحقها من إحباط جراء ما يمكن تسميته بالانتهاكات الجسيمة والشطط الكبير بخصوص التنصل من كل الالتزامات والتعاقدات التي أبرمتها معها قوى سياسية حملت شعار التغيير لسنوات،  واعتمدت على قاعدة عريضة تفاعلت مع مشروعها، لكنها وجدت نفسها استمرئت كراسي الحكم واعتبرت السلطة غاية في ذاتها ضاربة عرض الحائط بكل التعاقدات؟. 
إن الأمر يتعلق بالآثار السلبية الناجمة عن فشل مشروع الانتقال الديمقراطي، وما ترتب عنه من تداعيات من جهة، وبغياب الجدية المطلوبة في تدبير الأسباب والعوامل التي عملت على صناعة العزوف و رفض كل الإمكانيات التي من شأنها أن تساعد اليوم وضمن هذه اللحظة التاريخية الحاسمة على تيسير العلاج من جهة اخرى  .
ومع تبخر كل الآمال المعقودة على الربيع العربي في ان يدفع العقل الإصلاحي السياسي في اتجاه إصلاح أعطابه ومعوقاته الذاتية وتجاوزه أزمة التحجر والانغلاق والاستفراد والاستئثار معتمدا في ذلك كل الآليات القديمة بما في ذلك تهيئة التربة والمناخ أمام قوى الفساد من أجل عودة مريحة للميدان يتحركون فيه بكامل اللياقة المطلوبة للعودة مجددا لمقاعدهم في المؤسسات المحلية أو الجهوية أوالتشريعية، وهو ما يمكن أن يتكرر في الاستحقاقات المقبلة. 
بسبب كل ذلك  ينبغي أن تعلموا أيها الحقوقيون أن إنصاف العازفين أمر يدخل في صميم اختصاصاتكم إذا ما واكبتم التطورات الحاصلة كونيا على مستوى ما يعنيه مفهوم الحق ، وما تعنيه الانتهاكات الجسيمة  التي لم تعد منحصرة في معناها المادي المرتبط بالعنف الجسدي، بل يتم الحديث اليوم عن الأجيال الجديدة والمتجددة لحقوق الإنسان كالحق في عالم بدون حروب والحق في بيئة نظيفة بالمعنى الشمولي للبييئة بما في ذلك المناخ السياسي السليم، وواجب التضامن مع الأجيال القادمة، تحت شعار أي عالم سنترك لأبنائنا وأي مناخ سياسي تتم فيه تنشئتهم وتشريبهم القيم الإنسانية المثلى؟ عليكم أن توضحوا للمتحاملين على المقاطعين لصناديق الاقتراع أن العزوف آلية دفاعية عن الذات حينما يتعذر عليها استعادة حقها  بشكل طبيعي . 
إنه عنف لطيف في مواجهة عنف سافر عنوانه الإخلال بالتعاقدات بكل شطط سواء تعلق الأمر بالتعاقدات المبرمة مع القوى التي أخفقت سابقا في تدبير الشأن العام و التي لازالت تتشبت بالعودة إلى الكراسي رغم الهزائم المتتالية ورغم التراجع الفظيع عن مواقعها عند كل استحقاق بحيث لم  تستخلص الدروس مما تعرضت وستتعرض اليه من عزوف عقابي .
أو تعلق الأمر بتنصل من حملوا شعار محاربة الفساد والاستبداد، من كل الالتزامات وتعويض ذلك بالبحث عن الحلول السهلة على حساب الطبقة المتوسطة،بإلزامها وحدها بأداء فاتورة الإصلاح ، أو تعلق الأمر بالعنف الممارس من قبل المرشحين الفائزين عشية فوزهم بتنصلهم كذلك من كل الوعود والالتزامات، بدءا بإشعال نار الغلاء في السوق الغير علني لما يسمى بالناخبين الكبار أثناء تشكيل المكاتب الجماعية  حيث يباع الصوت بالملايين وما تشتهر به هذه العملية من ممارسات، ومرورا بانخراطهم خلال فترة انتدابهم في انجاز وتنفيذ مشاريعهم الشخصية عوض مشاريع المدن أو القرى الغارقة في بؤسها، وانتهاء بالعودة إلى الشريحة الانتخابية التي أوصلتهم لتجديد المنافع المتبادلة معها عند نهاية ولايتهم للعودة إلى مواقعهم من جديد، وهو ما بدأت الاستعدادات إليه بشكل مبكر، إذن ألا يحتاج  هؤلاء العازفون كرها وبالنظر إلى كل هذه الأنواع من الانتهاكات التي مورست وتمارس عليهم، إلى تنظيم جلسات استماع يكشفون فيها وبالصراحة الكاملة عن الأسماء والمؤسسات والجهات  ذات العلاقة بتدبير الشأن الوطني أو المحلي والذين أوصلوهم إلى الوضع الذي لم يختاروه لأنفسهم عوض  إنزال اللائمة عليهم؟ 
أليس من مسؤوليتكم التي أخذتم على عاتقكم أيها الحقوقيون هي تحقيق التصالح  وجبر الضرر وتنقية الأجواء؟ أليس من واجبكم الوطني إنصاف ما يفوق ثلثي الهيئة الناخبة والتي تشكل فئة الشباب وما يسمى بالطبقة الوسطى أغلبيتها الساحقة، الطبقة المعول عليها في كل المجتمعات لضمان التوازن والاستقرار، إنصافها  مما تتعرض إليه من نعوت من قبيل العدمية والسلبية واللاوطنية  بل المطالبة العلنية من طرف أولئك الذين أصبحت على أعينهم غشاوة وأضحوا لايرون في الانتخابات إلا مناسبة للحفاظ على المواقع والمنافع . المطالبة بإنزال العقوبات بكل من لا يصفق للمرشحين ويزكي ممارساتهم...  
 إنها دعوة لكل الحقوقيين وجمعيات المجتمع المدني التي تتلقى الدعم المادي من الدولة ودعوة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان كي يساهموا في قراءة صفحة الماضي قبل طيها في أفق الوصول إلى معرفة الخريطة السياسية الحقيقية التي لايمكن أن تستقيم ما لم يتم إنصاف ضحايا داء العزوف الذي استفحل  ويزداد استفحالا جراء الشطط في مستوى الأداء والتدبير لملف الانتخابات، وذلك بالكشف عن الحقيقة ، حقيقة كل الأطراف التي انتجت العزوف وجعلت منه داءا عضالا أحوج ما يكون اليوم إلى جلسات علاج مطولة .مع الحرص على ضرورة توفير شروط التفاعل مع العلاج التي بدونها يجمع الأطباء على انعدام الأمل في الشفاء. إن الداء أصبح مستعصيا ومن غير المسؤولية القانونية والأخلاقية التفرج عليه أو المجازفة باستصغاره أواستغلاله لتحقيق مآرب ذاتية شخصية أو حزبية ضيقة نفعية بالمعنى العامي أوادعاء إمكانية مداواته بأية وصفة استعجالية مغرضة تكافئ صناع العزوف بفسح الكراسي أمامهم من جديد  عوض تحميلهم المسؤولية الأخلاقية فيما وصل إليه الوضع من حالة متردية تقتضي مساءلتهم عوض التواطؤ معهم ؟ أليس صناع العزوف هم أنفسهم المتسابقون اليوم لتجديد بقائهم في المناصب والمواقع  من أجل المزيد من المكاسب والمنافع ؟. 
عبد الحق الحاج خليفة
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال