مقاومة الاستبداد بإعادة الاستعمار

لعل أصدق مقولة تنطبق على الواقع العربي اليوم تلك التي تقول “ان التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة و في المرة الثانية كمهزلة “، نتذكر هذه المقولة بمناسبة صدور تقرير لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني مؤخرا الذي أعترف بأن قرار بريطانيا بشن الحرب على ليبيا سنة 2011  لم يكن مبنيا على معلومات دقيقة و أن  تقارير المخابرات البريطانية التي نصت يومها على أن القذافي أمر كتائبه بالتوجه إلى بنغازي لارتكاب المجازر و سحق المدنيين الثائرين على حكمه و المطالبين بالحرية و الديمقراطية كانت خاطئة كما  أن نفس هذه المخابرات فشلت في رصد وجود متدنيين متشددين ضمن ما يسمى بثوار بنغازي .
  الغريب أن التقرير لم يبين كيف أو لماذا أخطأت المخابرات البريطانية وهي واحدة من أقوى مخابرات العالم في جمع المعلومات الدقيقة عن ما يجري في ليبيا و اكتفى بتحميل رئيس الوزراء البريطاني السابق دافيد كمرون شخصيا مسؤولية الحرب على ليبيا دون أن يدينه أو أن يطالب بمحاكمته عن جرائمه رغم ما سببته تلك الحرب من قتل و تهجير وتشريد لملايين الليبيين ومن خراب للمدن و القرى الليبية و ضياع لمستقبل أجيال من الليبيين و دون أن يحمل الدولة البريطانية المسؤولية التاريخية عن هذه الحرب حتى لا تتحمل لاحقا  أي من تبعاتها  .
    تقارير استخبارية أخرى أكدت في المقابل أن عشرات المعارضين  لنظام القذافي في العالم تم إحضارهم مسبقا لمدينة بنغازي استعدادا لإسقاطه و أن العشرات و حتى  المئات من ذوي البشرة السمراء سواء من الليبيين أو من الأفارقة العاملين في ليبيا تم تجميعهم في بعض ساحات بنغازي لإظهارهم كمرتزقة جلبهم القذافي من إفريقيا لقتل المدنيين المتظاهرين ضده .
    التقرير البريطاني لم يضف  جديدا إلى حزمة الاعترافات الغربية السابقة حول الحرب على ليبيا  فقد سبق للرئيس الأمريكي أوباما أن أعترف بخطئه و أعرب عن ندمه عن إسقاط نظام القذافي و حمل المسؤولية خاصة لفرنسا و بريطانيا و أعترف رئيس الوزراء الفرنسي السابق فرنسوا فيون بخطأ قرار الحرب على ليبيا أما رئيس الوزراء الإيطالي برلسكوني فقد كان  الأكثر صراحة و وضوحا عندما صرّح للإذاعة الرسمية الإيطالية بأن الثورة في ليبيا كانت مفتعلة و أن غايتها الحقيقية كانت السيطرة على النفط الليبي و استبدال نظام القذافي بحكام ليبيين عملاء للغرب.
كل هذه المعلومات تؤكد أن الحرب على ليبيا كانت مدبّرة مسبقا و أنها لم تكن بهدف حماية المدنيين الليبيين من بطش القذافي أو لنشر الحرية أو الديمقراطية في ليبيا تماما كما كانت الحرب على العراق مدبّرة مسبقا بدعوى امتلاكه أسلحة الدمار الشامل ثم تبين بعد ذلك أن هذه المعلومات لم تكن أيضا دقيقة و إنما تندرج في إطار مشروع استعماري متجدد على المنطقة العربية بدأ بالعراق ثم امتد إلى ليبيا و عديد الأقطار العربية الأخرى تحت غطاء  ما يعرف بالربيع العربي.
  هذه الوقائع تعيد إلى الذاكرة ما يسمى تاريخيا بالخدعة العربية عندما أرسلت بريطانيا سنة 1915 أحد جواسيسها الملقب لاحقا بلورنس العرب لتحريض العرب في الجزيرة العربية والشام على الثورة على الإمبراطورية العثمانية بدعوى الخلاص من الفساد و الحرية و بعد أن قامت الثورة العربية  و سقطت  الإمبراطورية العثمانية قسم البريطانيون  و الفرنسيون المنطقة العربية و استولوا على خيراتها و نصّبوا على رأس كل منطقة حاكما تابعا للهم .
  لا نستغرب المطامع الغربية في المنطقة العربية فللغرب مصالحه الاقتصادية وأهدافه السياسية وحتى عداواته الدينية و التاريخية مع العرب و المسلمين و لا نستغرب انضمام بعض الحكام العرب إلى الدول الاستعمارية  فهؤلاء صنيعتها  و لكن نستغرب انطلاء الخدعة الغربية الثانية على كثير من المثقفين العرب من سياسيين و إعلاميين و رجال دين   الذين صدّقوا و لا يزالون أن الغرب سيخلصهم من استبداد حكامهم فانخرطوا في مشاريعه.
  صحيح أن المنطقة العربية كانت ترزح تحت الظلم و الاستبداد ولكن هل يقاوم الاستبداد بإرجاع الاستعمار؟
 تحصين الوطن من العدو الخارجي يُسبّق على مقاومة العدو الداخلي مهما جار أو استبد  فإذا ضاع الوطن من أيادي أبنائه لم يعد لمقاومة الاستبداد أو للمطالبة بالديمقراطية أي معنى و ما جرى و يجري في الأقطار العربية التي أسقطت أنظمتها بدعوى مقاومة الاستبداد ونشر الحرية يغني عن أي جدل .
د . محمد عبد الحكيم كرشيد

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال