"فتاة النابالم" تنتصر على قواعد "فايسبوك"

عادت صورة نيك أوت (مصور وكالة "أسوشيتد برس" العام 1972) التي إلتقطها لطفلة عارية تركض هاربةً من النابالم خلال حرب فيتنام (راجع السفير  2015-07-13 )، لتتصدر صفحات الصحف العالمية في الأيام القليلة الماضية. لا علاقة للأمر باستذكار فظائع أميركا في فيتنام إنما هو تعبيرٌ عن الاحتجاج على قرار إدارة موقع "فايسبوك" حذف الصورة باعتبارها تتناقض وقوانين الموقع القاضية بمنع نشر صور العري. وبالرغم من أن إدارة "فايسبوك" تراجعت عن قرارها يوم الجمعة (9-9) بعد موجة غضب واعتراضات، إلا أن الجدل حول أخلاقيات نشر الصور ومسؤوليات الموقع الأزرق مازال مستمراً.
بدأت الاحتجاجات الشهر الماضي في النرويج بعدما أزالت إدارة "فايسبوك" صورة «فتاة النابالم» من صفحة أحد الكتّاب النروجيين. اكتسبت حملة الاحتجاج مزيداً من القوة بعد انضمام رئيسة الوزراء النرويجية إرنا سولبرغ التي نشرت الصورة على صفحتها ليسارع الموقع في حذفها، ما دفع عددًا من السياسيين والصحافيين من داخل وخارج النروج للإنضمام إلى الحملة. كذلك قامت إحدى الصحف النروجية بنشر الصورة على صفحتها الأولى مرفقةً برسالة مفتوحة إلى مؤسس "فايسبوك" مارك زوكربرغ متهمةً إياه بإساءة استخدام السلطة.
هذا وقالت رئيسة الوزراء النرويجية في لقاء مع وكالة "أسوشيتد برس" (9-9) أن الصورة تعد اليوم «عنصراً هاماً في إحداث التأثير، وإذا ما قمت بتعديل أحداث الماضي أو شخوصه فأنت تشوه التاريخ والحقيقية». وأعربت سولبرغ عن فرحها بعدول "فايسبوك" عن قراره، معتبرةً أن ذلك يؤكد أن إدارة الموقع تعترف بأن «رأي الناس يهم».
وكالة "أسوشيتد برس" اغتنمت الفرصة بدورها لتعرب عن فخرها بصورتها التاريخية. مذكرة بأن الوكالة ذاتها قد خاضت قبل 44 عاماً نقاشات مشابهة حول نشر الصورة التي بدت أنها تتعارض في ذلك الحين مع سياسات الوكالة فيما يتعلق بنشر صور الأطفال العراة، لكن الناقشات حول الصورة كما يقول هال بويل (محرر الصور سابقًا في الوكالة) لم تدم أكثر من 15 دقيقة «فكيف لا ننشر الصورة وهي التي تجسد رعب الحرب؟!».
إدارة "فايسبوك" حاولت تبرير موقفها، حتى بعد أن تراجعت عنه، مؤكدة أنها تدرك الأهمية التاريخية للصورة الأيقونية لكنها "لا تستطيع السماح بمشهد طفل عارٍ في إحدى الصور ومنعه في أخرى".
قرار "فايسبوك" في منع الصورة حفّز مؤسسات إعلامية ضخمة لتعيد التدقيق في قوانينها حول أخلاقيات نشر الصور. صحيفة "غارديان" البريطانية أفادت أن "نشر صورة طفلٍ عارٍ عادة ما يعد انتهاكاً لمعاييرنا الاجتماعية، وقد يصنّف كمضمون إباحي، لكننا ندرك الأهمية التاريخية والعالمية لصورة طفلة النابالم في توثيقها لحظة زمنية خاصة».
من جهة أخرى، أخذ النقاش منحى يتعلق بمسؤوليات مؤسس "فايسبوك" مارك زوكربرغ باعتباره قد يكون اليوم أهم «محرر ورقيب إعلامي» في العالم. على سبيل المثال، تتهم قناة CNN بصورة أو أخرى الموقع بالتهرب من مسؤولياته. فقد نشرت القناة الأميركية على موقعها الإلكتروني رأي فيفيان شيلر التي شغلت منصب رئيس قسم الأخبار في "تويتر"، التي رأت أن حذف الصورة «مثال واضح عن الأسباب التي تجعل فايسبوك يرفض أن يتم اعتباره منظمة أو وسيلة إعلامية، بالرغم من أن نصف العالم المتقدم يعتمد عليه كمصدرٍ للمعلومات، إنها قضية معقدة، وستصبح مع الوقت أكثر تحدياً».
سبق أن تعرّض "فايسبوك" للنقد فيما يتعلق بسياسة نشر الصور خصوصًا تلك الإشكالية التي تتضمن مشاهد عري. اشتعلت نقاشات مشابهة عندما منع الموقع نشر صور للوحات ومنحوتات شهيرة مثل لوحة «أصل العالم»  لغوستاف كوربيه، أو منحوتات أخرى تعود لعصر الباروك من القرن السابع عشر.
المشكلة في قوانين "فايسبوك" الصارمة المتعلقة بنشر الصور، تتجلى في شكلانيتها، كما لو أن الأمر يتعلق فقط بأعضاء ظاهرة أو مستورة، وأجساد عارية أو مغطّاة، بغض النظر عن السياق التاريخي أو الفني أو السياسي الذي يوظّف فيه هذا الجسد أو ذاك.
قد تكون القضية الأخطر ما يسمح "فايسبوك" بنشره، لا ما يمنعه، خصوصًا مع وصول عدد مستخدميه إلى  مليارين. آلاف الأخبار والصور الكاذبة أو المغلوطة أو المضّخمة، تنشر في الموقع كل يوم، وأخرى تحض على الكراهية والطائفية والتعصب والعنف، وجميعها تنتشر بدون قيود. سيستمر الأمر على المنوال نفسه طالما أن "فايسبوك" مؤسسة هلامية خارجة عن أي تصنيف، يديرها بضعة أفراد.
نور أبو فرّاج/السفير
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال