تراجيديا المآزق المعادة في تونس

المأزق الرئيسي هو مأزق سياسي متعلق بمن تقدموا لإدارة الشأن العام في تونس ومنحوا فرصا سواء بالتوافق أو بالانتخاب. فعن هذا المأزق تتناسل كل المشاكل لتتركز بين التونسيين وتتحول إلى قدر من أقدارهم.
يعرف التونسيون أنّ مآزق كبيرة في انتظارهم يوما بعد آخر أغلبها صارت ككرة الثلج تزداد ضخامة وكبرا كلّما ازدادت تدحرجا. وهو ما يعني أنّها ليست مستجدة، بل هي متوارثة منذ حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وعليها ثار الشعب التونسي مطالبا بتغييرها، ولكنّ الحكومات المتعاقبة عجزت عن ذلك، بل زادتها حدّة وخطورة وتعفّنا.
والمأزق الرئيسي في اعتقادي هو مأزق سياسي متعلق بمن تقدّموا لإدارة الشأن العام في تونس ومنحوا فرصا سواء بالتوافق أو بالانتخاب. فعن هذا المأزق تتناسل كل المشاكل لتتركّز بين التونسيين وتتأبّد وتتحوّل إلى قدر من أقدارهم التي لم يختاروها، وإنما فرضها عليهم من حكموهم طيلة خمس سنوات ونصف السنة من يناير 2011 إلى أغسطس 2016.
فلقد عاشت تونس بعد 14 يناير 2011 تجربتي حكم توافقي، الأولى كانت مباشرة بعد الثورة حيث تولى فؤاد المبزع رئاسة الجمهورية بعد خـروج زيـن العـابدين بن علي باعتبار المبزع كان رئيس مجلس النواب وكلّف الباجي قائد السبسي برئاسة الحكومة، والثانية كانت في العام 2014 إذ استلم المهدي جمعة رئاسة الحكومة بعد استقالة حكومة الترويكا الثانية التي كانت تقودها حركة النهضة ويرأسها علي العريض.
وتولّى السبسي والمبزّع سنة 2011 حلّ الهيئات الدستورية الثلاث التي كانت قائمة؛ أي البرلمان ومجلس المستشارين والمجلس الاقتصادي والاجتماعي. وعلّلت حكومة السبسي فشلها في تغيير واقع التونسيين بثلاثة مبرّرات؛ الأول هو الموروث الضخم من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، والثاني اندلاع الحرب في ليبيا وتدفّق اللاجئين على تونس بمئات الآلاف، أما الثالث فهو وضعية المؤقت التي اشتغلت فيها وأعاقت قراراتها وبرامجها.
نفس واقع حكومة السبسي سنة 2011 وجدت فيه حكومة جمعة نفسها سنة 2014. وعجزت عن تحريك واقع التونسيين والتجأت إلى نفس التبريرات تقريبا. واختزلت الحكومتان جهوديهما في تنظيم الانتخابات والإشـراف عليهـا وتسليم السلطة لمن يفوز بالأغلبية. فالسبسي سلّم الحكم للترويكا بقيادة حركة النهضة الإخوانية. ومهدي جمعة سلّمه للائتلاف الرباعي بقيادة مشتركة بين نداء تونس والنهضة.
أما الحكومات التي جاءت إثر انتخابات فهي ثلاث إلى حدّ الآن؛ الأولى والثانية في عهد الترويكا من يناير 2012 إلى يناير 2014 وكلتاهما قامتا على المحاصصة لا على البرامج والكفاءات. فوجدت حكومتا الترويكا نفسيهما في مآزق عجزتا عن التعاطي معها، ففشلتا فشلا ذريعا وأجبرتا على الاستقالة.
وكانت سنتان من حكم الترويكا لم تزيدا واقع تونس إلا إرهابا، وحيفا اجتماعيا، وإفسادا للتضامن المجتمعي، وإطلاقا ليد المنظمات والجمعيات العنفية لتعتدي على مدنية تونس، وتحويلا للمساجد من بيوت عبادة إلى منابر دعاية سياسية وتحريض وتكفير وتجنيد وتخطيط لتنفيذ عمليات تعنيف واغتيال.
الحكومة المنتخبة الثالثة كانت حكومة الحبيب الصيد التي شكّلتها أحزاب أربعة ائتلفت، بالصدفة، إثر انتخابات 2014 لتتوارث نفس المآزق ولتتشكل بأسلوب المحاصصة نفسه وتتولى إدارة الشأن العام بنفس العقلية وبنفس الخيارات. وكان من العبث انتظار نتائج مغايرة. والنتيجة إقرار بالفشل وخروج من الباب الصغير والمزيد من تعميق أزمة تونس وإلقاء التونسيين في اليأس والإحباط.
هذا ملخص مختصر للواقع السياسي التونسي بعد 2011. واقع تشكّل من نوعين من الحكم توافقي في مناسبتين وسليل انتخابات في ثلاث مناسبات. المهم أن الفشل كان هو المآل لكل تجارب الحكم التي أدارت الشأن التونسي. ولكنّ الأسوأ في هذا الواقع التونسي أن لا أحد يغادر المربّع من الفاعلين المنتجين للفشل، وإنّما فقط يغيّر موقعه من الحكم.

فالسبسي غيّر موقعه من رئيس حكومة مؤقت سنة 2011 إلى رئيس جمهورية منتخب منذ موفى 2014 ولا شيء تغير في واقع التونسيين وفي آمالهم وطموحاتهم. وحركة النهضة غيرت موقعها من قيادة الحكم والإشراف على إدارة الشأن العام من الموقع الأوّل، إلى التخفّي عن صدارة المشهد والاكتفاء بدور الشريك الكبير في الخيارات الصغيرة في المواقع.
بعد 2014 صار الحزبان اللذان منحهما الشعب التونسي النصيب الأكبر من ثقته يتشاركان في إنتاج العجز والفشل وإهدار فرص النموّ والتقدّم والاستقرار على الشعب الذي وثق فيهما. كان الحزبان متعاديين حتى لان أحدهما للآخر ووضعا أيديهما في أيدي بعض متضامنين في التصدّي لفشلهما بتغيير الأسماء التي تتولى الحقائب، لا لتغيير البوصلة وتحقيق أهداف الثورة، بل لتسهيل تمرير الإجراءات المفروضة من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأوروبي.
ولكنّ الحزبين اللذين يديران الشأن العام في تونس ويتحكمان في مفاصل الدولة لم يعودا يكتفيان بالسقوط بمفردهما، وإنما مرّت الخطّة إلى توريط المنظمات الوطنية التي يحتفظ لها التونسيون بالتقدير ويعتبرونها السند الذي لا يتخلّى عنهم. وقد نجح الحزبان في جرّ الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الفلاحين إلى التوقيع على اتفاق قرطاج هزيل المحتوى.
ونجح الحزبان في توريط قيادة الاتحادين في المآزق القادمة. فالحزبان يحكمان وينفذان أجندات لا وطنية، والاتحادان يوقعان ويقبلان ويباركان. فمن للشعب التونسي في المستقبل القريب. ماذا فعل الاتحاد العام التونسي للشغل بنفسه وبتاريخه وبالتونسيين حين قبل الانخراط في المسار الذي ينقده باستمرار ويحذّر من مخاطره لا سيما المتعلق بخيارات التنمية وبالبرامج التي يسمّيها الاتحاد ملفات؟
حين استقال حمادي الجبالي رئيس حكومة الترويكا الأولى تولى وزير في حكومته المسؤولية هو علي العريض، وقد ندد وقتها الاتحاد العام التونسي للشغل ككل التونسيين بذاك الاختيار على اعتبار أن الحكومة تفشل برمتها ويجب أن تغادر كلها، وكان مآل حكومة علي العريض تعميقا لأزمة تونس والفشل فالاستقالة.
وبعد استقالة حكومة علـي العريـض تولى المسؤولية وزيـر من حكومته هـو المهدي جمعة وسكت الاتحاد وقتها على الانتقادات الشديدة التي وجهتها الجبهة الشعبية لذاك الاختيار الذي فرضته حركة النهضة، لأنه كان من قاد الحوار الوطني الذي انتهى إلى تسليم السلطة سلميا من حكومة النهضة إلى حكومة مستقلّة. والنتيجة كانت تصادما قويا بين النقابات المنضوية تحت الاتحاد وحكومة جمعة التي لم تخف ولعها بالخارج وانجرارها الطيع وراء تحقيق الإملاءات بسبب افتقارها للبرامج والحلول.
اليوم يقف التونسيون شهودا على قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل منظمتهم المناضلة وسندهم ومتكئهم وهي تبارك تكرار الخطأ نفسه للمرّة الثالثة في غضون 5 سنوات ونصف السنة، وتمضي على تسليم الحكم من رئيس حكومة مقال إلى وزير في الحكومة المقالة، دون برامج حقيقية، ودون أي نية في تغيير اتجاه البوصلة، ودون أي تفسير لاختيار يوسف الشاهد لرئاسة الحكومة.
يقبل الاتحاد ما كان يدينه ويمضي عليه. ويمنح الفاشلين الشرعية التي يبحثون عنها. ويساعد الرئيس السبسي في ما عجز عنه بمفرده في حزبه، أي تسليم مفاتيح حزب نداء تونس لابنه، وتسليم مقاليد الحكومة لمقرّب منه محركا في التونسيين ذكريات فظيعة عن حكم العائلة في عهد زين العابدين بن علي.
لم يعد السياسيون فقط منتجي مآزق تونس. وإنما أفرزت مبادرة تغيير حكومة الحبيب الصيد بحكومة سماها صاحب المبادرة الرئيس الباجي قائد السبسي حكومة وحدة وطنية وضعا جديدا يتمثل في جرّ المنظمات الكبرى التي تمثل السند الكبير للتونسيين نحـو الانخراط في تكرار تراجيدي لمآزق تهدّد تونس بفقدان سيادتها وأمنها الاجتماعي والاقتصادي والمالي والحدودي.
 مصطفى القلعي - كاتب وباحث سياسي تونسي/العرب
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال