الكرد في سوريا: حلم تبدده تفاهمات السياسة

يعتبر الكرد في سوريا من أكبر الأقليات العرقية ويشكلون ما نسبته 10 بالمائة من السكان وغالبيتهم مسلمون سنة. هاجر معظمهم من تركيا عقب ثورة الشيخ سعير بيران ضد حكم مصطفى كمال اتاتورك.
والكرد في سوريا الأقل نسبياً من ناحية العدد قياساً على عديدهم في تركيا والعراق وإيران؛ بقي الاكراد بعيدا عن دائرة الصراع المباشر مع أنظمة الحكم في سوريا الا ان كان صراعهم الأول عام 1958 والذي تمحور حول المطالبة بمزيد من الحقوق وأولها منحهم الجنسية السورية وحقوق المواطنة وتطور الامر لاحقاً سنة 1962 بتجريد ما نسبته 20 بالمائة منهم من الجنسية السورية واعتبارهم أجانب بموجب تشريع رسمي لمعالجة ما أعتبر خللاً حدث سنة 1945 بدخول الاف الاكراد من تركيا بطريقة غير شرعية الى مناطق الحسكة والقامشلي وعفرين وعين العرب في حلب الى ان تم الغاء هذا القرار بمرسوم في نيسان سنة 2011 بعد بدء الاحتجاجات على الحكومة السورية فيما سمي موجة الربيع العربي.
بدأت الحركات الكردية في تأسيس الأحزاب التي تعبر عن المسألة الكردية بكل ابعادها في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي، وشهد حزيران-1957 ولادة الحزب الديمقراطي الكردي(البارتي) وهو اول حزب كردي كان من أبرز مؤسسيه السياسي الكردي نورالدين ظاظا وعبد الحميد حاج درويش وبدأ واضحاً ان الحزب امتداد لتجربته في العراق التي كان يمثلها الملا مصطفى البارزاني وهي الأكثر تجذراً في طرح المسألة الكردية التي كانت قطعت اشواطا كبيرة في الصراع مع الحكم في العراق. وكطبيعة الأحزاب في العالم الثالث بدأت حركة الانشقاقات التي تستند الى خلافات ايديولوجية بعد سنوات قليلة من التأسيس وكان الجامع بين هذه الأحزاب كلمة الديمقراطية بالرغم من أن التبادل السلمي للقيادة بين هذه الأحزاب كان أبعد ما يكون عن الديمقراطية وكانت القيادة تنتقل إما بالوفاة أو الوراثة العائلية بالإضافة لغياب تأثير الإسلام السياسي على هذه الأحزاب وعن أكراد سوريا عموماً بالإضافة للانقسامات بين القوى السياسة الكردية نتيجة استجابتها لتأثيرات الأحزاب الكردية في العراق وتركيا ليستقر التمثيل السياسي لأكراد سوريا بخمسة أحزاب رئيسية وما يقارب ثلاثين تجمعاً كردياً يمثل حيثيات وقبائل ومكونات مختلفة.
اليوم وبعد أن دخلت سوريا في نفق الصراعات الداخلية التي تحولت إلى حرب أهلية يزيدها ضراوةً صراع اقليمي ودولي عليها منذ أكثر من خمس سنوات ونصف صار الحديث جدياً عن أن الخيار الوحيد للخروج من هذه المأساة حل سياسي يضمن تمثيل كل مكونات المجتمع السوري ومن ضمنها المكون الكردي الذي غدا اليوم عنصراً فاعلاً في الصراع السوري مهما آلت إليه التفاهمات بين الولايات المتحدة وهي الحاضنة الدولية الحقيقة للأكراد اليوم وروسيا التي لديها تاريخ مهم من العلاقات مع الأحزاب الكردية وسمحت لهم بإقامة ممثلية في موسكو وترعى اليوم من خلال القاعدة الروسية في مطار حميميم الوساطة بين الاشايس(القوات الكردية) وبين الجيش العربي السوري بعد الصدام العسكري في مدينة الحسكة؛ولعل التطورات العسكرية على الأراضي السورية وخاصة في المنطقة الشرقية في الحسكة والقامشلي وهي محافظات حدودية مع العراق وتركيا وتمتاز بحضور كردي وازن يشكل ما يقارب الثلاثين بالمائة سمحتبإعلان تأسيس منطقة إدارة محلية (منطقة حكم ذاتي فعلية) في المناطق ذات التواجد الكردي الأكثر في سوريا ويبدو أن الحكومة المركزية في دمشق تغض الطرف عن ذلك الإعلانلإعتبارات عسكرية حتى تستفيد من الجهد العسكري للأكراد في القضاء على داعش و لغاية التوظيف السياسي في صراعها مع حكومة أردوغان باعتبار ان المشكلة الكبرى في تركيا هو قيام جيب كردي مهما كان صغيراً ومعزولاً. فالجامع الوحيد الذي يوحد تركيا اليوم بمختلف احزابها باستثناء حزب الشعوب هو منع إقامة أي كيان كردي في سوريا لأن إرتداداته ستمتد لتركيا حكماً فلا يمكن القبول بقيام ما يسمى غرب كردستان أو (روج آفا) والتي تمتد جغرافيا من مناطق الحسكة شرقاً وصولاً الى عين العرب(كوباني) وعفرين في ريف حلب والتي تعاني من وجود فجوات جغرافية وديموغرافية تحول دون قيام كردي متماسك الا اذا تم اللجوء الى عمليات تهجير قسرية للمكونات الأخرى ويسيطر علىهذه المناطقحزب الوحدة الديموقراطية الكردي وجناحه العسكري قوات سوريا الديمقراطية وهو أكبر الأحزاب الكردية نفوذاً في سوريا اليوم؛والذي ينغمس بشكل كامل مع المشروع الأمريكي في سوريا وهو ما يزعج حكومة الرئيس الأسد والمعارضات السورية المتعددة والتي تغاضت سابقاً عن إعلانه مرتين قيام حكم ذاتي بشكل منفرد ولكنها تراقب الطموح الكردي المتعاظم.
تركيا ليست بعيدة عن تطورات المشهد الكردي في سوريا بل ربما هي من أول وأكثر المتضررين وهي اليوم تحشد مئات المسلحين من المعارضة السورية الموالية لها وتقدم لهم الدعم والمنافذ الحدودية لتحرير جرابلس من تنظيم داعش حتى لا تسقط في يد قوات سوريا الديمقراطية وتقطع بذلك الطريق على تقدم الأكراد بعد سيطرتهم على مدينة منبج المهمة في ريف حلب. ولعل الغزل التركي والخطاب السياسي الجديد الآخذ في التبلور بشكل متسارع من قبل رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم بعدالانقلاب الفاشل والشعور بالخذلان من الولايات المتحدة نحو نظام الرئيس الأسد وضرورة الحرص على بقاء سوريا موحدة وعدم استبعاد الأسد شخصيا من الحل النهائي يعزز من فرص إجهاض الحلم الكردي الذي يبدو اليوم في ظل الصراع السوري المعقد أشبه بفرق العملة سياسياً.
من المؤكد اليوم أن الأكراد في سوريا نجحوا في ان يكونوا طرفاً فاعلاً في الصراع السوري وقدموا أوراق اعتمادهم لكل اطراف الصراع بالرغم من تناقضاتها واستثمروا حاجة الأطراف المحلية والإقليمية والدولية لهم، ولكن باستثناء اللاعب الرئيسي والأخطر وهو التركي الذي لا يمكن قبول أي كيان فيدرالي كردي على حدوده يضيف متاعب جديدة للمتاعب التي يشكلها حزب العمال الكردستاني والتركي اليوم يبدو سياسياً في حالة افتراق بائنة بينونة كبرى مع الولايات المتحدة في ملف الاكراد واستتباعاً ولو بشكل جزئي سيتطور لاحقاً لخلاف في الملف السوري وخصوصاً بعد بروز مقاربة روسية إيرانية تركية قد تكون متطابقة تماما في الحل السياسي الذي يضمن سوريا موحدة وربما بقاء الرئيس الأسد وترك الخيار في مصيره للشعب السوري ومن خلال صناديق الاقتراع ويمكن القول بثقة ان هذا التقارب والتفاهمات بين الأطراف الثلاثة الفاعلة والتي تشمل ضمنياً نظام الرئيس الأسد في سوريا وحكومة العبادي في العراق والتي تعيد اليوم خلط الأوراق تجعل من حلم قيام حكم ذاتي توطئة لقيام كيان كردي يصعب اليوم ويصبح حلماً بعيد المنال، ويبدو الكرد في سوريا اليوم ضحية جديدة وفرق عمله سياسياً ولا خيار امامهم الا الانصهار في مشروع المصالحة الوطنية وأن يسعى ممثلوهم ليكون لهم مقعداً على طاولة التسوية النهائية في جنيف التي يبدو أن تفاهماً دولياً شارف على إنجاز ملامحها النهائيةثلاث نواب لوزراء الخارجية في كل من روسيا وإيران وتركيا ليباركه كيري ولافروف لأحقاً !!
د. زيد محمد النوايسة
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال