ثلاثية روسيا وطهران وتركيا حول سوريا هل تراكم على التفاهم الأميركي - الروسي؟

تستقطب الدينامية التي دخلت على خط التلاقي التركي مع كل من روسيا وطهران على أثر زيارة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان لروسيا يوم الثلثاء في التاسع من شهر آب الجاري، وزيارة وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف لتركيا على الاثر، قبل ان يبدأ تنشيط لقاءات متسارعة على خط هذه الدول الثلاث تحت عنوان اساسي ومحوري لكل منها هو الحرب السورية، اهتمام المراقبين والمتابعين من جانبين: أحدهما ما يوحي بإمكان ان يركب بين هذه الدول من مصالح مشتركة حول سوريا قد تساهم في اضافة تفاهم اقليمي الى التفاهم المبدئي القائم بين روسيا والولايات المتحدة على قاعدة ان هذا الاخير لم يكن ولن يكون كافيا، أيا تكن أهميته، تماما على غرار اتفاق الطائف اللبناني الذي انطلق من تفاهم دولي ثم اقليمي قبل ان يرسو على قواعد او ترجمة داخلية، ولو ان ذلك لا يعني ان الحلول محتملة في المدى المنظور انطلاقا من واقع ان مسار الامور لا يزال طويلا. 
 لكن التحركات الديبلوماسية بدت لافتة جدا، الى حد انقلابي مفاجئ قياسا على تداعيات كانت منتظرة لمعركة حصار حلب وانتصار المحور الداعم للنظام، فحصلت عمليات مضادة أدت الى فك الحصار وتم الانتقال على نحو سريع واستيعابي للحل السياسي على وقع مظهرين: أحدهما الدينامية التي اطلقتها تركيا في اتجاه روسيا وطهران، والثاني، وهو مظهر اقل اهمية بالمعطى الاقليمي لكن له دلالاته في خطاب الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الذي اعتمد لغة مختلفة كليا عن خطابه في 29 تموز، وهي لغة لا يعتقد كثر انها كانت سترد في هذا التوقيت لولا الفشل في السيطرة على حلب، على رغم اعتبار هؤلاء ان الشق "التصالحي" نسبيا في اتجاه الداخل كان "تنفيسيا" تحت سقف الازمة المستمرة. والاشارة الى هذا العامل الاخير ليست إلا للدلالة على ارتباط للداخل اللبناني بأدنى تطورات المنطقة، وعلى استمرار التعقيدات المحيطة بأزمة الاستحقاقات الدستورية نتيجة عدم الوضوح الإقليمي. يشير المراقبون في هذا الاطار الى وتيرة التسارع التي فرضتها التطورات التركية، والتي قد يكون الانقلاب شكل محركا أساسيا لها، من دون ان يكون محركها الوحيد. إذ إن القلق التركي من كردستان غربية في سوريا يتنامى، خصوصا مع مكتب تمثيلي للاكراد السوريين في روسيا، كما ان انقلاب السحر على الساحر في موضوع اتاحة تركيا العبور للجهاديين عبر حدودها الى سوريا وارتدادها عليها شكلا عاملين مهمين ساهما في تغيير السياسة التركية في الاشهر الاخيرة. ذهب رئيس الوزراء التركي بن علي يلديرم الى درجة التبشير في الايام الاخيرة بحل قريب في سوريا مبني على خريطة طريق من ثلاثة محاور، كما قال، لكن ما عدده كان محاور عامة ومبدئية لا تجيب عن النقاط التي يتردد أنها لا تزال موضع خلاف بين طهران وموسكو حول موقع الرئيس السوري بشار الاسد في الحل، وبأي صلاحيات يمكن ان يبقى في المدة التي سيبقى فيها. وما يجري على خط الدول الثلاث ليس بقليل، ويتعدى في رأي المراقبين الكثير من الحساسيات التي نشأت، ليس فقط قياسا على تقديم اردوغان اعتذاره للروس عن اسقاط طائرة السوخوي قبل أشهر، بل أيضا قياسا على انسحاب الرئيس الايراني حسن روحاني في 15 نيسان الماضي في اثناء تلاوة البيان الختامي الصادر عن القمة التي عقدت في اسطنبول على خلفية ما تضمنته من إدانة للتدخلات الايرانية والاعتداء على السفارة السعودية في طهران، ليعود الروس والإيرانيون، من اوائل، بل الوحيدين اللذين كانا على تواصل مستمر مع اردوغان وحكومته بعد الانقلاب. ولكن هل كانت تداعيات فشل الحصار على حلب ما ساهم في اعطاء دفع لهذه الدينامية والمرونة لدى مختلف افرقاء المحور الذي بدا انه يتشكل؟
الجانب الآخر يكمل المعطيات السابقة من خلال اعتقاد بوجود برودة واضحة بين تركيا والدول العربية، والخليجية منها تحديدا. فمشهد التواصل التركي - الايراني - الروسي الكثيف يجب أن يكون مقلقا ومزعجا في الوقت نفسه، قياسا على محاولة تركيب محور يثبت مصالحه حول سوريا، على رغم انه محور لن يكون قابلا لان يعيش من دون الدول العربية، لكنه سيضغط عليها في الوقت الذي لم تحصل زيارات مسؤولين عرب لتركيا، كما فعل وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف الذي كان بقي على تواصل مع اردوغان ليلة محاولة الانقلاب. وقد حصلت تسريبات تطاول تورط المملكة السعودية في محاولة الانقلاب، لم يلبث المسؤولون الاتراك ان نفوها، لكنها لم تكن من دون دلالات لجهة تعبيرها عن حال توتر شأن ما حصل بين تركيا والولايات المتحدة واوروبا ايضا. وعدم الارتياح ازاء الاندفاع التركي مرده الى أنه يساهم في تغيير المعادلات القائمة في المنطقة وخصوصا حول سوريا وجملة ملفات اخرى، ويحفزه في الوقت نفسه استكمال ايران اشعال النار تحت حرب اليمن بعد فشل المفاوضات بين الحكومة اليمنية والحوثيين في الكويت من خلال دعمها المجلس السياسي الذي انشأه هؤلاء، وانعقاد البرلمان اليمني ولو من دون اكتمال النصاب. وهو الامر الذي يؤشر لاستمرار تردي العلاقات السعودية - الايرانية على نحو يلمح الى صعوبة اكتمال حلقات تفاهم اقليمية محورية حول سوريا في ظل هذه المعطيات، مع اشارة الى اتصال لروسيا بفئات معارضة سورية في الدوحة هي غير المعارضة التي اتفقت تحت الرعاية السعودية.

annahar.com/روزانا بومنصف

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال