السينما المصرية تحت الرعاية العسكرية

لم تشر إلى ذلك التلفزيونات ولا الصحف، لكن الصور كشفته. لقد حضر لواء اجتماعاً مكرساً لصناعة السينما المصرية. تجاهلت ذلك وسائل الإعلام، لكن حضور عسكري في ما يعتبر صناعة قومية أمر لافت. ما شأن الجيش بالسينما وما يعد لها؟
بدت الصياغات الخبرية وعناوين الصحف والتغطيات التلفزيونية عادية، الصور وحدها لمّحت إلى أن في الأمر جديداً لافتاً؛ فهي حين أبرزت حضور رجل عسكري - برتبة لواء - في اجتماع حكومي، يرأسه رئيس الوزراء، يبحث في ملفات عدة متصلة بصناعة السينما المصرية، بينما التغطيات الإعلامية لم تشر من قريب أو بعيد لا إلى اسمه أو منصبه؛ أوجبت التدقيق والبحث عن المفارقات وعلامات الاستفهام المتناثرة بين السطور ودلالات الأرقام التي صُدرت كبشرى ووعد: زيادة الدعم الموجه لصناعة السينما بنسبة 150 في المئة، مجلس الوزراء يرفع الدعم لصناعة السينما من 20 مليونا إلى 50 مليون جنيه سنوياً.
الصياغة الإعلامية - شبه الموحدة - تجاوزت عن ذكر الرجل «العسكري»؛ وكررت أن الاجتماع الذى ترأسه رئيس الوزراء شارك فيه: وزراء التخطيط، والثقافة، والآثار، ونائب وزير المالية، والأمين العام للمجلس الاعلى للثقافة، ونقيب المهن السينمائية، ورئيس غرفة صناعة السينما، ورئيس لجنة السينما بالمجلس الاعلى للثقافة، ورئيس المركز القومي للسينما، ومستشار وزير الثقافة للسينما.
وأن الاجتماع بحث: وسائل حماية الفيلم السينمائي المصري في الداخل والخارج من القرصنة، وعدة مشاريع لإنشاء شركة لإدارة أصول السينما، ومدينة للسينما، وصندوق تنمية صناعة السينما، وتطبيق نظام الشباك الواحد لسرعة وتسهيل وتذليل العقبات أمام إنتاج وتصوير الأفلام الأجنبية والمصرية، وتسهيلات تصوير الأفلام الأجنبية بمصر، وإعادة هيكلة الرقابة وإدخال نظام التصنيف العمري.
الخبر إذا بمجمله عادي، مكرر، قد نجد في أرشيف الصحف المصرية مئات مثله على مدى العقود التسعة الماضية، لكننا لن نقع على صورة مشابهة.
هل تقدم لنا التصريحات الصحافية تفسيرا؟ هذه هي في مجملها: الاجتماع بحث عددا من مشكلات السينما المصرية باعتبارها: «صناعة قومية، وأحد أهم روافد قوة مصر الناعمة، التي تسهم بدور كبير في تكوين الوعي الثقافي للشخصية المصرية والحفاظ على الهوية المصرية، وأنها لها دورها في تشكيل وجدان الأجيال، ومواجهة التحديات وقيم العنف والتخلف، وفي الحرب الدائرة ضد الأفكار الإرهابية، وتقرر استمرار عمل اللجنة ومتابعة كل الملفات المعروضة، على أن يعقد الاجتماع الثاني لها الأسبوع المقبل، بحضور رئيس النايل سات، لبحث مشكلة القرصنة وعرض الأفلام في القنوات غير الشرعية ومواجهة ذلك بحسم، وتقديم تقرير من قبل وزير المالية، بشأن تغيير نظام تذاكر السينما من النظام الورقي إلى الممكنن، ودراسة فرض ضريبة على كل تذكرة فيلم أجنبي معروض بمصر لمصلحة دعم الفيلم المصري».
الحضور العسكري
هل في كل هذا ما يوجب الحضور «العسكري»؟ ليس واضحا وجود علاقة مفهومة بين مجمل بنود الملف المبحوث ووزارة الدفاع، التي ستكون أية إجراءات وقوانين تحت نظر وزيرها في اجتماعات مجلس الوزراء، لكن قد يوجد شيء مفارق آخر وراء الكلمات والأرقام والصور!
فالمفارقات وعلامات الاستفهام كثيرة، منها دلالة رقم الدعم، أنه في مجمله - 50 مليون جنيه سنويا - يمثل ما هو أقل من ميزانية مسلسل تلفزيوني واحد، أو أجر نجم في مسلسل أخر! والرقم في دلالة أخرى يعني أن نصيب المواطن المصري من دعم الدولة للسينما أقل من جنيه واحد سنويا عند مقارنة عدد السكان - تجاوز التسعين مليونا - بمبلغ الدعم، وأخيرا تمثل الزيادة الجديدة - 30 مليون جنيه - تقريبا دخل السينما في أيام العيد الثلاثة.
إنه إذاً بكل المقاييس رقم متواضع لا يرقى حتى لأن يوصف بالرماد.
المفارقة الكبرى يقدمها لنا الناقد سمير فريد، فقد كتب قبل يومين فقط من الاجتماع على صفحات «المصري اليوم» جازما بأن «2016 أسعد سنوات السينما المصرية منذ مطلع القرن الجديد»، وموضحا أن أداء السينما المصرية في النصف الأول من العام الحالي، الذي لم يشهد دعما حكوميا للسينما، كان رائعا، سواء أعلى مستوى كم الأفلام المعروضة، أو نوعيتها، أو مشاركتها في المهرجانات الدولية الكبرى.
صورة السينما المصرية كما تقدمها أرقام وتقديرات «فريد» مفارقة تماما للصورة الحكومية المعروضة، كما بدت في تصريحات المشاركين في الاجتماع والتعقيبات النقدية عليها.
فالتعقيدات البيروقراطية الحكومية كانت حاضرة بقوة في الاجتماع، وتبادل المسؤولون الاتهامات، فألقى ممثل وزارة المالية بالمسؤولية عن تعثر مشروعات الدعم السابقة على المسؤولين بالثقافة، وبدورهم ردوا الاتهام على المالية وقواعدها التي لا تتفهم ظروف الانتاج السينمائي التي يصعب أن تكون مواعيدها دقيقة متوافقة مع توقيتات الموازنة العامة، والنتيجة كانت توقف الدعم منذ العام 2012.
المستحقون
وتصاعد الجدل في ظل إصرار كل طرف على صحة موقفه، وتفرع إلى «ضرورة مراجعة آليات العمل» من عدة منطلقات، ما يتطلب حضور ممثل لوزارة الداخلية وجهات رقابية؛ لأن بعض ملاحظات أشارت إلى أن «الدعم لم يذهب إلى مستحقيه»- وهي مقولة تكاد أن تكون إرثا اجتماعيا تتناقله الأجيال من أفواه المسؤولين الحكوميين في ما يتعلق بمختلف أوجه الدعم الحكومي - وتعني تشكيكا في «ذمة وكفاءة» اللجان الفنية، كما يلمح إلى أن الفائزين بالدعم لا ينقفونه كله على إنتاج الفيلم، وأن المنتج في بعض الأحيان ليس جيدا.
وظهر أن المنتجين والموزعين يركزون على مطلبين: الأول، متعلق بكيفية مكافحة «القرصنة» التي تقوم بها عشرات القنوات التي تبث أساسا عبر القمر الصناعي «النايل سات»، حيث تعرض أفلاما مصرية من دون أن تسدد أية حقوق لشركات التوزيع؛ ما يشكل عقبة أمام تسويق تلك الأفلام خارج مصر، والثاني متعلق بالرسوم المقررة للترخيص بالتصوير في المناطق السياحية والأماكن العامة التي تشرف عليها الوزارات والهيئات الحكومية المختلفة.
بقيت ملاحظتان: أولا أن التناقضات بين الأطراف المشاركة في الاجتماع تتسع، فخشونة الصراع على الاختصاصات بين الوزارات واضحة، وهناك تضارب مصالح محتدم بين المنتجين وأصحاب دور العرض، وبين المسؤولين الحكوميين التنفيذيين والفنانين، وبين ممثلي السلطة التنفيذية والتشريعية والكيانات النقابية والأهلية.
وثانيا ان وقت المجتمعين لم يتسع لبحث البند الخاص بتهيئة المناخ المشجع على حرية الفكر والإبداع، أو هذا ما بدا في التغطيات الإعلامية على الأقل.
ناصر كامل/جريدة السفير
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال