سياسة التحالفات وسقوط الوهم التركي

مع صعود الإسلام السياسي على الساحتين العربية والفلسطينية شهدت السنوات القليلة الماضية صعودا لتركيا ونجمها الأول رجب طيب اوردغان مذ كان رئيسا للوزراء قبل ان يفرض نفسه رئيسا لتركيا على أمل ، بل على وهم ان يصبح خليفة للمسلمين ، مستحضرا خلافة اجداده العثمانيين الذين استعمرونا أربعة عقود.

وفي سياق هذا الصعود جرى تزوير التاريخ وتزيين الاستعمار العثماني التركي لوطننا العربي على انه خلافة اسلامية يجب ان نعمل ونسعد باستعادتها وباستعادة الدور التركي القيادي، ومع استحضار هذه ،، الأمجاد ،، زرعت أوهام وأحلام فلسطينية بان العلاقات مع تركيا الاخوانية نسبة لحركة الاخوان المسلمين العالمية ستشكل خشبة النجاة والخلاص الوطني ليس لفك الحصار عن غزة فحسب ، بل وما بعد غزة.

ونمت وترعرعت هذه الأوهام بعد ان لعب اوردغان على الوتر الفلسطيني واستثمر فيه جيدا للدخول للعالمين العربي والاسلالمي كمخلص ومنقذ ، وكلنا يتذكر موقفه الشجاع حقا مع شمعون بيرز الرئيس الاسرائيلي في مؤتمر دافوس الذي زاد من رصيده الشخصي وزاد من رصيد تركيا وشرع الابواب العربية لهما. خاصة مع بقاء عمر موسى ممثل جامعة الدول العربية جالسا ذليلا خافض الرأس لا يقوى على فعل شيء!!

اخبار الامس التي لم تفاجىء احدا ، بما فيهم خالد مشعل المقيم في مركز الحدث ، وابو مازن الغائب المغيب ، عن استعادة العلاقات الاسرائيلية التركية دون رفع الحصار عن غزة، بل الاقرار به وتشريعة كما قال متباهيا بنيامين نتنياهو رئيس الوزاء الاسرائيلي في روما، قضت في لحظة وضربة واحدة على الأوهام والاحلام الفلسطينية التي طالما حلم بها أهلنا، وتفاخروا بالبدلة التركية التي احلوها محل البدلة الانكليزية، وتباهى عرساننا بشهر عسلهم التركي.

هذه تجربة تستحق منا التوقف عندها مليا، لاننا وللأسف الشديد شعب لا يراجع ولا يقيم تجاربه، وان قيمها فانه لا يستفيد ولا يتعلم منها، علينا ان نعترف بذلك كذاكرة جمعية للشعب، حتى لا نظلم كثيرا حركة حماس التي تستحق العقاب الشعبي والسياسي على الدور الذي لعبته كبلدوزر في زراعة هذه الأوهام، فتاريخنا وتراثنا السياسي الفلسطيني حافل بمثل هذه السياسات والشعوذات ، وكلنا يتذكر بالم وحزن شديدين الرهانات الخاسرة في نهاية اربعينيات القرن الماضي على جيوش الحكام العرب، والرهان الخاسر على نظامي عبد الناصر منتصف الستينات وصدام حسين اوائل تسعينات القرن الماضي، وانا هنا اذكر واذكر بالحقائق التاريخية كما هي بدون تزوير او تزويق ،  فقد كانا من وجهة نظري صادقي النوايا تنقصهم اشياء اخرى كثيرة ليس هنا مجال الحديث عنها. وذكرني الوهم التركي بالوهم السوفياتي سابفا، اللذان يتقاطعان في الكثير من المواقف تجاه عدونا اعترافا وتعاونا، ومرة اخرى لا اقصد الاساءة لا للسوفيات ولا لتركيا، وحتى لا يقول قائل ، ومن اين لنا بالتحالفات التي تريد، اقول: ان لم نجدها في محيطنا الاقليمي الجغرافي المتمثل ببلاد الشام وسوريا الكبرى التي تضم الشام وبلاد ما بين النهرين ومعهم بلاد النيل الجارة فاننا لن نجدها في مكان آخر.

صحيح ان الهجمة أوسع وأكبر من امكانيات وطاقات شعبنا المحدودة، ولا بد من دعم واسناد خارجي لإنجاز مهمة التحرير ، ولكن يجب أن لا نخدع انفسنا ونتعلق  بقشة، كالغريق  الذي بتعلق بقشه، ولم ينطبق هذا المثل على شيء او على أحد كما إنطبق علينا كفلسطينيين، فهذا حالنا الذي يجب ان يتغير ، لنعتمد على عزيمتنا وارادتنا بدل الاعتماد على وهم القشة، ولنعتمد على الرؤيا الفكرية والسياسية الصحيحة للعلاقات والتحالفات التي لا تقوم على العواطف والأمنيات ،  وانما على الأسس والمرتكزات الصلبة ، وفق قواعد وقوانين ناظمة لها، ذو أبعاد جغرافية تاريخية تجمعها المصالح المشتركة ، ولمواجهة المخاطر والتحديات المحدقة باطراف التحالف، والتحالفات الحقيقية والصادقة يجب ان تجد تعبيراتها على الارض وفي الميدان وليس بالشعارات والهتافات الجوفاء، واي تحالفات لا تنطلق مما سلف، هي تحالفات عابرة لن تصمد امام معطيات وتعقيدات اي صراع حقيقي وحاد، فما بالكم بشراسة وتعقيدات صراعنا الوجودي مع الحركة الصهيونية وكيانها اسرائيل؟! .

اعادة تركيا بهذه الطريقة لعلاقاتها الاستراتيجية القديمة مع عدونا كما اسماها نتنياهو، ذات الطابع الامني العسكري قبل الاقتصادي على اهميته العظمى، ممثلا بتجارة الغاز والسلاح الاسرائيلي. يؤكد صحة ما ذهبنا اليه… وهو نموذج ومثال ساطع على الرهانات الخطأ، الذي يفرض علينا إجراء مراجعة شاملة لتجربتنا وسياساتنا التحالفية، لنصل الى التفريق بين التحالفات وبين العلاقات العامة الضرورية كعلاقات عامة ليس الا.

سقوط الوهم التركي لا يقتصر ولا ينحصر فيما سبق ، فالنموذج والنجم التركي آخذ بالأفول بعد سلسلة التراجعات والانكسارات التركية الاخيرة ، ، اثر تدخلها السافر والسافل في دعم الارهاب والتكفير  في سوريا. بما في ذلك التراجع الاقتصادي الذي كان نموذجا يحتذى به ، وكان تجربة رائدة يفتخر بها ، وليس ادل على ذلك ما قاله السيد بلدمير رئيس الوزراء التركي من ان الحرب في سوريا باتت عبثية ويحب ان يتوقف القتل هناك ،، واعتذار طيب رجب اوردغان الذليل لسيد الكرملين الروسي بعد تمنع دام ثمانية اشهر يؤكد على فشل السياسة التركية وعلى ان هناك سلسلة من التراجعات والمراجعات ستتبدى نتائجها ومعالمها في قادم الايام .

كان يمكن فهم او تفهم الموقف التركي الاخواني  لو تمسكت تركيا بشروطها المتواضعة لاعادة العلاقات وتم فك الحصار عن غزة لانه لا يجوز  في هذه الحالة المزايدة على تركيا برفض مبدا اقامة العلاقات، كما لا يجوز الاستخفاف بمعاناة اهلنا في القطاع ، ولو تم فك الحصار لما ادنت الموقف التركي  ولما ادنت استمرار حماس على موقفها الذي تمثل برد فعلها على الموقف التركي في بيانها الاخير  وكان شيئا لم يكن!!.

صابر عارف

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال