رسائل القصة في «رسائل الرمال» للمغربي عبد الواحد كفيح

  تصدر هذه المجموعة للقاص عبد الواحد كفيح، بعد مجموعتين قصصيتين «أنفاس مستقطعة» و»رقصة زوربا»، إضافة إلى رواية بعنوان «روائح مقاهي المكسيك». 
في كل هذه الأعمال يواصل الكاتب مشروعه السردي الذي يطبعه تجذير القص في الثقافة الشعبية بمكوناتها الحكائية الشفوية وتعبيراتها الدارجة وقيمها المختلفة ونماذجها البشرية البسيطة. هذه المكونات بقدر ما تمنح الحياة للثقافة الشعبية داخل النص المكتوب، بقدر ما يستمد النص ذاته حياته منها.
عمل القصة في مجموعة «رسائل الرمال»:
تبطئ السرد: أول ما يثير الانتباه في كثير من قصص المجموعة هو استراتيجة تبطئ السرد، بواسطة إبدالات متنوعة أهمها الوصف. في قصة «من قتل الجثة في ثلاجة الموتى» يعمد السرد إلى التخفيف من حدة تتابع الأحداث بوصف مشاعر السارد وأحواله الداخلية، وهو في الغرفة، أمام ثلاجة الموتى. من جهة ثانية، يلجأ السرد إلى تنويع الضمائر، من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب. وهو تنويع ينتج حكايتين متوازيتين، لكنه يؤدي إلى نوع من التراكم التكراري، إلى حد ما. إن الذي يجري كبح تدفقه ـ في الحقيقة- هو سيولة الحكي بمقوماته الشفوية وخطابه الشعبي، الذي يعمل السرد على «أسلبته». من أهم ملامح هذا الخطاب هو توجه السارد المباشر إلى القارئ «لا أحد منكم سيصدق قصتي ولو أقسمت برأس أمي وكل عظام جدتي». هذه التدخلات المباشرة تعيد إلى الذهن صورة (الحكواتي في الحلقة الشعبية) أكثر من صورتها في الإرث السردي المكتوب. يتجلى الملمح الثاني في رصف الجمل الوصفية التي تصف حالة واحدة. في بداية قصة «من قتل الجثة» تصل هذه الحالة إلى اثنتي عشرة جملة، إنها خاصية الخطاب الشفوي الذي يسعى إلى تكرار المعنى نفسه، وإن بجمل متنوعة، سعيا إلى ترسيخ هذا المعنى وتجنبا لنسيانه وموته. توظيف الخطاب الشفوي بأبعاده الثقافية لا يتم بطريقة إحالية، بل يتم بطريقة عضوية، ينتمي فيها هذا الخطاب بتنوعاته إلى نسيج الخطاب السردي. إلى جانب الوصف، يوظف السرد تقنية الاسترجاع لتبطئ تتابع الأحداث.
في قصة «فوبيا الكلاب» يستعيد السارد قصصا من الطفولة، تؤطرها القصة الأم، هذا الاسترجاع وظيفته الكشف عن حلقات السببية التي أدت ببطل القصة إلى حالة الخوف أو (الخواف) في الحاضر (فوبيا). في المقام الثاني يتيح هذا الاسترجاع للماضي الطفولي المقارنة بين الماضي والحاضر، لتصل القصة في حدثها الختامي إلى مفارقة مشحونة بالسخرية المريرة. يفضل بطل القصة «وجع الكلاب» الذي كان يستعمله مشعوذ شعبي لقلع الأضراس على خطف راتبه الشهري من طبيب أسنان معاصر. إنه الخوف نفسه الذي يتكون ويتلون مع الوقت ويتكيف بكيمياء المقهورين، بتلك الإرادات والخيارات المهزومة.
الأسلوب الثالث نجده في قصة «في أقل من دقيقة». العنوان وحده يوحي بكثافة اللحظة وتمددها الأفقي، في إشارة المرور تحاول سائقة إغواء سائق. كانت المرأة تبحث عن ذاتها في مرآة الرجل، وتذهب إلى حد تخيل (خميل المضاجع). السرد الأفقي يملأ اللحظة بحركية أخرى من الخيالات والاستيهامات والإغراءات والحركات الدقيقة؛ إنها أفعال الرغبة.
2- التناص: تحفل المجموعة بالنصوص والعلامات والرموز التي تتناص مع النصوص القصصية، سواء من التراث السردي العربي أو من التراث العالمي. وتتناص القصص بصفة خاصة مع المحكي الشفوي في الكثير من مقوماته، ناهيك عن التوظيف العضوي لبعض مقوماته الأخرى. في قصة «من قتل الجثة…» نستعيد صدى رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، خاصة في نهايتها. وفي قصة «أصدقائي الخالدون» يستحضر السارد رموزا وأسماء مؤسسة في تاريخ الأدب العربي والعالمي: دون كيشوت، عنترة، حي بن يقظان، همنغواي… ثيمة القصة الأساسية هي أن السارد سليل هذه الشخصيات. وفي القصة يجري تنسيب الزمان والجغرافيا ليصبح الانتماء إلى عالم آخر مشترك هو عالم الأدب.
المفارقة
من وظائف المفارقة في بعض نصوص المجموعة:
الكشف عن التناقض التاريخي، إذ لا يبدو أن هناك فرقا بين الماضي والحاضر، ويظل الحرمان ملازما للإنسان البسيط بعيدا عن الشعارات والخطب، فبطل قصة «فوبيا الكلاب» تلازمه الفوبيا طيلة حياته. في الماضي يتملكه الخوف من (كلاب) المشعوذ الشعبي الذي يقتلع أضراس المرضى في حلقات الأسواق الأسبوعية. وكأن هذه العملية وتبعاتها هي مجرد فرجة… وفي الحاضر يجد البطل نفسه عاجزا عن دفع كلفة العلاج لطبيب عصري مسلح بالعلم. في كلتا الحالتين فهذا البطل هو ضحية للجهل والفقر معا.
الكف عن تناقضات اجتماعية وثقافية: في قصة «امسحوا العقارب» فئتان من الأطفال؛ الأولى لا تنجح في رسم صورة العقرب، لأنها تعيش في عالم بعيد عن العقارب والحشرات التي تتساكن مع الطبقات المسحوقة مثلها مثل بعض الحيوانات. أما الفئة الثانية فتنجح في رسم صورة العقرب إلى درجة (الحقيقة). وما هذه الحقيقة إلا الموت الذي ذهب ضحيته بعض من الأطفال بفعل لسعات العقارب. إنه اللسع الاجتماعي المردي والمهلك في أعمق صوره. في قصة «ليالي النكد» تحكي الأم لولدها عن الظروف المأساوية التي رافقت وضعها إياه. لكن الأم تكشف في النهاية أن حكيها هو مجرد عتاب، مجرد تخيل، كما أن نعته بالفأر طيلة مسار الحكاية، يعيد إلى الأذهان صورة الطريدة الهاربة دوما من خصم مهدد… لا تكتفي القصة بهذا المسار السطحي للأحداث، بل تنقل السرد إلى سؤال الوجود، ويتمثل في (هروب) الإنسان من القدر وبحثه الدائم عن لغز الحياة والموت.
ت- الرغبة: في بعض القصص تكشف الرغبة شيئا فشيئا عن غرائزها لتتمظهر في النهاية بكامل عريها وظلالها من السخرية، ضدا على مواقف الجد (التراجيدية) أو داخلها. في قصة «أقل من دقيقة» تولد الرغبة في مكان مشحون بالتوتر والانتظار وهو التوقف في أضواء المرور. هنا تطلق إحدى الشخصيتين العنان لرغباتها الدفينة عبر التخيل والاستيهام، فتتبع الرغبة طرقها وقوانينها الخاصة، ضدا على أو بمحاذاة قوانين السير العامة والرسمية. إن الرغبة في هذه القصة هي اللاقانون في مواجهة أو داخل أو مع القانون نفسه.. وفي قصة «حطام سلطانة البحر» نجد أن مواصفات شخصية سلطانة تكاد تكون أسطورية. في النهاية ترتد عليها الرغبة في توحشها وعريها، بعد أن تغتصب من طرف أحد أحفادها المنتشرين والذين تجهل جلهم، من فرط معاشرتها للقراصنة العابرين.
رسائل القصة
القصة كـ «لوغوس»:
في قصة «شهرزاد» نقرأ نوعا من القلب لمسار الحكاية الأصلية. في هذه القصة تتولى شهرزاد الحكم بين الناس بالعدل، فيما يقضي شهريار يومه في النوم، منتظرا الليل لسماع الحكايا. وفي النهاية ينتحر شهريار بسبب جبروته وبطشه وكل الآلام التي سببها لشعبه. الحكاية في القصة هي سياسة وثورة خفية تقودها شهرزاد باسم المستعبدين والمظلومين. إنها، فضلا عن ذلك، ثورة ضد الذكورية المستفحلة. هكذا فشهريار هو الذي يموت،لأنه لم يحك الحكاية المناسبة، تلك الحكاية الحضارية التي قوامها العدل والمساواة… في قصة «علق القصة وغلق الباب»، يأوي شخص إلى غرفة فندق فيتخيل حكايات أشخاص عبروا من الغرفة نفسها؛ رجل أعمال، راقصة، هارب من العدالة، مريض… إن المكان- الغرفة هو سجل لقصص الناس وتجاربهم المتراوحة بين الحياة والموت. تكشف القصة عن عوالم تتجاوز السطح وتدفع بالمغامرة السردية إلى حدود التأويل الفلسفي. وفي قصة «ليالي النكد» تتجسد الفلسفة الشعبية ببساطتها وخطابها المستند إلى مناورات وطرق حكائية خاصة.إنها لا تخبرنا أبداعن هوية القط الذي يطارد الفأر؟
في مجموعة «رسائل الرمال» أكثر من رسالة تهم الثيمات والطرق السردية وحضور الثقافة الشعبية في مكوناتها الحكائية، داخل النص. لكل ذلك فالسرد في قصص المجموعة منفتح ومتعدد، خاصة أنه لا يقطع الصلة مع المكون الشفوي الذي يعد جزءا لا يتجزأ من الفسيفساء اللغوية والتواصل اليومي.

محمد فاهي

رسائل الرمال: مجموعة قصصية. عن منشورات ديهيا . نجمة الشرق- بركان. الطبعة الأولى 2015.
٭ قاص وروائي/المغرب
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال