السبسي اللاعب السياسي رقم واحد في تونس

السبسي احترم الدستور شكليا، لكنه احتفظ بكل الأوراق بين يديه خاصة بعد أن اختار رئيس حكومة بلا سند حزبي، فإذا نجح فذلك بفضل بصيرة اللاعب الأول.
تؤكد مبادرة حكومة الوحدة الوطنية التي فاجأ بها رئيس الدولة التونسية الباجي قائد السبسي الشعب التونسي أنّ هذا الرجل يعود باستمرار إلى صدارة المشهد ويصنع الحدث ويشغل الرأي العام دائما. السبسي رجل يحب الأضواء ولا يقبل أن يعيش خارجها ولا يسمح بأن يسرقها منه أحد مهما كان موقعه.
فالرجل لا ينفك يذكر في كل مرة بكونه الأكثر شرعية في تونس، باعتباره منتخبا انتخابا مباشرا من قبل مليون وثمانمئة ألف تونسي منحوه أصواتهم. السبسي يرفع هذه الورقة دائما في وجه الجميع من أنصاره والعاملين معه وحلفائه وشركائه ومعارضيه. وهو ويعتبر أن الشرعية الانتخابية مقدسة وتعلو على النقد مهما كان نوعه ومصدره.
منذ مارس 2011 حين دعاه رئيس الجمهورية المؤقت فؤاد المبزع لرئاسة الحكومة خلفا لمحمد الغنوشي المستقيل والباجي قائد السبسي هو اللاعب السياسي رقم واحد في تونس. هو لاعب يريد أن يكون دائما الأول في اللعب مهما كانت النتيجة حتى وإن كانت: لم يربح أحد. هذا الرجل يتقن المباغتة ويحب خلط الأوراق والعودة إلى نقطة الصفر دائما. لا يعنيه كثيرا إن كان هناك ربح أو خسارة.
من صفات هذا اللاعب القدرة على قلب الموازين في كل مرة ولكن ليس بالخلق والابتكار وإنما بالتقاط ابتكارات الآخرين وتحويلهـا لفائدتـه. وهو ما حدث في 2013 مع مبادرة جبهة الإنقاذ التي اقترحتها الجبهة الشعبية والتحق بها السبسي، ورفع سقـف مطالبها إلى أقصاه حين طالب بإسقاط منظـومة الحكم القائمة وقتها بشكل كامل بمـا في ذلك رئاسة الجمهورية والمجلس الوطني التأسيسي. وقد بدا السبسي حينها ثوريا جدا في الوقت الذي كان يتفاوض فيه سرا مع رئيس حركة النهضة الذي كان تحت الضغط وقدم التنازلات. فكان السبسي من أكبر الفائزين بمبادرة جبهة الإنقاذ وبنضالات الشعب التونسي ضد الترويكا وضد محاولات أخونة المجتمع التونسي وأسلفته وإلحاقه بالمربع الرجعي والتراجع عن مكتسباته ومنجزاته المدنية والحداثية.
الأمر نفسه وقع في 2014 مع الانتخابات التشريعية والرئاسية حيث استغل السبسي حماس التقدميين والديمقراطيين والحداثيين لضرب الرجعية الإخوانية، وقدم نفسه البديل الحداثي المنقذ موظفا آلية التصويت المفيد من أجل ذلك. وبعد الانتخابات تحالف مع حركة النهضة التي بنى حملته الانتخابية على مقاومتها والتشهير بها، مقدّرا أنه الحل الأفضل له ولحزبه. وكان يبرر ذلك بأن تونس في حاجة إلى أغلبية برلمانية كافية من أجل الاستقرار السياسي.
ولكن دعوته لحكومة وحدة وطنية منذ أسبوع تعني الإقرار بخطئه وبفشل تبريراته إذ الأغلبية النيابية لم تنقذ الحكومة ولم تخلق التنمية ولم تطفئ الاحتجاجات. ومن ناحية أخرى فإن المبادرة نفسها تعني أنّ اللاعب الأول لا يرضى بغير أن يكون الأول، فيتصدر المشهد من جديد بمبادرته تاركا خاسرين جددا من فرسانه الحكوميين الذين خرجوا جميعا منذ سنة ونصف السنة من تحت مجهره.
نفس الأمر يتكرر اليوم مع مبادرة حكومة الوحدة الوطنية فمنذ أيام قدّمت له الجبهة الشعبية مبادرتها الساعية إلى إنقاذ تونس من مخاطر الفشل التي أظهرتها مؤسسات الحكم في تونس. وقبل ذلك بأيام كان السبسي يدافع عن الحكومة ويعتبر أنها تقوم بواجبها ويتهم المعارضة بتأجيج الاحتجاجات. ولكنه سرعان ما التقط مبادرة الجبهة وحولها من إنقاذ إلى وحدة وخلط بها الأوراق جميعا.
ومن صفات اللاعب الأول أيضا أن يخلّف خاسرين وراءه، ولا سيما من حلفائه والمقربين منه والعاملين معه، فليس هناك مزاح فخلف اللاعب رقم واحد خاسرون دائما لا تهمّ مواقعهم حتى وإن كانوا أذرعه التي بها يتحرك ويضرب ويلعب فهو قادر على استنبات أذرع جديدة وبسرعة كبيرة.
كما أنه لا يحب النجوم من العاملين معه والدائرين في فلكه. فمن بدت عليه النجومية يكون مآله الهامش. وكان هذا مصير الطاهر بن حسين ومحسن مرزوق ورضا بلحاج والأزهر العكرمي والقائمة مفتوحة دائما.
لم تكن الحرب التي شنها اللاعب الأول على راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الذي صار شريكه الأول لتهدأ إلا لمّا قبل أن يكون في الظلّ خلف الرئيس أي في الموقع الثاني بعده في المشهد. صحيح أنّ الهدنة مستمرة بينهما ولكنّ عيون اللاعب الأول وأجهزته موجهة كلها نحو حيّ “مونبليزير” (حيث مقر حركة النهضة)، تراقب حركاته وسكانه والأصابع على الزناد. ففي السياسة لا صديق دائم ولا عدو دائم، كما يردد السبسي نفسه دائما.
سنة 2014 لما كان الاتحاد من أجل تونس الذي ضمّ نداء تونس وأحزابا يسارية يستعد لخوض الانتخابات في قوائم مشتركة، فوجئ شركاء السبسي بتراجعه عن القائمات المشتركة وقراره خوض الانتخابات بقائمات حزبه فقط وطلب من حلفائه طلبا غريبا هو أن يحلّوا أحزابهم وينضموا إلى حزبه أفرادا لا أحزابا. ولا من سبب آخر لذلك إلاّ الرغبة في إطفاء جذوة السياسيين اللامعين في الأحزاب الشريكة له. وقد نجح في ذلك فعلا إذ رفضت هذه الأحزاب طلبه وخاضت الانتخابات دون النداء، ولم يفز أيّ منها ولو بمقعد واحد في البرلمان. وانتهت إلى هزيمة مدوية.
السبسي اللاعب رقم واحد في تونس كان يمكن أن يكون هو رئيس الحكومة باعتباره رئيس الحزب الفائز بالأغلبية في الانتخابات التشريعية. وكان يمكن بذلك أن يحافظ على رئاسة حزبه وأن يقيه من التشظي والانقسام وأن يضمن لتونس الاستقرار، ولا سيما أنه يعرف جيدا صلاحيات كل من رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية. وكان يمكن أن يكون المشهد غير الذي نراه اليوم.
ولكن اللاعب السياسي الأول اختار أن يكون رئيس جمهورية لما له من رمزية عند التونسيين. ولكنه اختار بنفسه رئيس الحكومة من خارج حزبه ومن غير المنتخبين ومن غير المشاركين في الانتخابات أصلا. وكانت نيته في أن يقلب موازين القوى بين سلطتي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة واضحة. بل كانت النية أن يستولي على السلطتين والصلاحيتين فقد كان الجميع موقنين بأن الحبيب الصيد لم يكن أكثر من موظف في قصر قرطاج، رغم أن صلاحياته الدستورية تقضي بأن يكون الحاكم الأول لتونس.
لقد احترم السبسي شكليا الدستور. ولكنه احتفظ بكل الأوراق بين يديه خاصة بعد أن اختار رئيس حكومة بلا سند حزبي، فإذا نجح فذلك بفضل بصيرة اللاعب الأول، وإذا لم ينجح يُسحب إلى الهامش ولن يبكي عليه أحد. صحيح أنّ السبسي رجل تسعيني ولكنه مازال يحتفظ بمؤهلات كاملة ليكون اللاعب السياسي رقم واحد في تونس.
مصطفى القلعي/كاتب وباحث سياسي تونسي
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال