لماذا فشلت الجزائر في بناء الدولة المدنية

الدولة الجزائرية لا تملك بنية ذات هوية مدنية بل هي مجرد فسيفساء من حكم العشيرة، والرجل الواحد وجماعته، وأحزاب الموالاة التي تتحكم في ثقافتها النزعة التوفيقية والتلفيقية.
منذ ثلاثة أيام نقلت وسائل الإعلام الجزائرية الرسمية والخاصة أن وزير الداخلية الجزائري نور الدين بدوي أعلن أن اجتماع مجلس الوزراء القادم سينظر في قانون الأحزاب وفي قانون الانتخابات، علما أن هذه القوانين التي تعني المجتمع الجزائري كله لم تنزلها الحكومة إلى القواعد الحزبية الشعبية المنتخبة للنظر فيها ومناقشتها لإثرائها وتعديل ما ينبغي أن يعدل فيها، قبل الدفع بها إلى البرلمان ومجلس الأمة للمصادقة عليها وعلى البنود المعدلة.
هذا السلوك الفوقي الذي يسلكه النظام الجزائري يعني أن شعار الدولة المدنية الذي يرفعه ليس إلا سرابا. ومنذ مدة قصيرة دعا عدد من الكتاب والإعلاميين الجزائريين إلى الإسراع في بناء ركائز الدولة المدنية في الجزائر وذلك لتعزيز الحريات وحقوق الإنسان، ومن أجل سن القوانين العادلة التي بموجبها يكون التداول السلمي على الحكم الإطار الديمقراطي للعمل السياسي الجزائري. ولكن هذه الدعوة وغيرها من الدعوات لم تلق آذانا صاغية سواء على مستوى الرئاسة أو على مستوى البرلمان ومجلس الأمة والمجلس الدستوري وغيرها من الهيئات التابعة للنظام الحاكم.
وفي الواقع فإن النظام الجزائري، بما في ذلك أحزاب الموالاة التي توفر له الغطاء الأيديولوجي، يجهل أبجديات أسس الدولة المدنية، كما أنه لا يستطيع أن يخلع عنه تراث الانفراد بالحكم الذي صار مع مرور السنين جزءا من هويته ومن وجوده السياسي، وبسبب ذلك نجده عاجزا عن التمييز بين نمط الدولة المدنية وبين الدولة المركزية الشمولية التعسفية سواء كانت بقيادة الرجل الواحد وحاشيته، أو الحزب الواحد والأيديولوجيا الواحدة، أو بقيادة الطبقة المسيطرة على الرأسمال المادي والثقافي والسياسي.
الدولة الجزائرية في واقعها الراهن تتحكم فيها “العصبية” المؤسسة على خليط متمثل في القرابة العائلية أو الجهوية أو الإثنية الضيقة والولاء الشخصي. إن العمل بهذا النمط من العصبية المركبة في الجزائر أمر يتناقض مع مفهوم الدولة المدنية المشروطة بتشييد “الوطنية المدنية” التي تعرَف غالبا بأنها نمط من النزعة الوطنية التي لا توجد فيها “الكراهية للأجانب” من جهة، ومن جهة أخرى هي الدولة التي “تحترم قيم الحرية والتسامح والمساواة والحقوق الفردية”.
لا بد من القول إنه منذ الاستقلال إلى يومنا هذا لم تنجح الجزائر في بلورة مفهوم “الوطنية المدنية” التي تتمثل هويتها في دفاعها عن “قيم الهوية الوطنية” التي يحتاج إليها الأفراد “لكي يعيشوا حياة مستقلة ذات معنى” كما يقول أحد المفكرين. ويعني هذا أنه لا يوجد فصل بين الهوية المدنية للدولة، وبين الوطنية المدنية “حيث أنه في ظل هذا النوع من الدولة لا يصنَّف الأفراد أو يعاملون كمجرد أشخاص بل إنهم يرسَّمون قانونيا كمواطنين”، وبذلك تكون هذه الدولة دولة المواطنين والمواطنات بغض النظر عن النسب العرقي والإثني والطبقي. وأكثر من ذلك فإنه في ظل كل هذا تكتسب “الدولة شرعيتها من مشاركة مواطنيها ومواطناتها” في انتخاب واختيار ممثليهم في جميع المؤسسات الحيوية التي تصنع القانون وتطبقه، وتمارس فيها قيادة النشاط السياسي والاجتماعي والثقافي والتربوي، فضلا عن ممارسة التعبير الحر عن الرأي.
لا شك أن إقصاء النظام الجزائري للمواطنين وجمعيات وأحزاب المجتمع المدني من المشاركة الفعالة في صياغة وإثراء وتعديل قوانين الأحزاب والانتخابات أمر يعني مباشرة تغييب كل من الوطنية المدنية والدولة المدنية، ويعني أيضا إلغاء الشرعية السياسية. وفي الحقيقة إن النظام الجزائري لا يملك حتى المفهوم الليبرالي الاجتماعي للدولة المدنية، بل إنه لا يزال يتشبث بقوة بأذيال نظام الدولة المؤسس على الرأسمالية المتوحشة المستوردة المعرقلة للانتقال إلى طور بناء الدولة المدنية الديمقراطية.
بناء على ما تقدم فإن النظام الجزائري يتمسك بالسيطرة المركزية وبدولة فسيفساء “العصب” التي تتقاسم ريع النفط بشكل خاص، وبذلك عطل التحرر الحقيقي للمجتمع الجزائري المتمثل في العيش المشترك في ظل تطبيق المساواة الاقتصادية التي تتزامن معها، أو تنتج عنها، الديمقراطية.
هذا الوضع يذكرني بشهادة مكتوبة وردت في كتاب أحد الزعماء الخمسة للثورة وهو الوزير الجزائري الراحل مصطفى الأشرف الذي يحمل عنوان “الجزائر: أمة ومجتمع”. تقول شهادة الأشرف بأن الخطأ الذي وقعت فيه الجزائر بعد الاستقلال مباشرة هو منح الأسبقية لطور الدولة على حساب طور المجتمع المدني. لا شك أن الأشرف قد نسي أن ما تم فعله في الجزائر ليس بناء طور الدولة، وإنما هو بناء أطوار النظام الحاكم. كما أنه لم يقل في كتابه كيف يبنى طور المجتمع وما هي هويته، ولم يحدثنا عن الفرق بين مفهوم الحكومة أو النظام الحاكم، وبين مفهوم الدولة التي تتضمن حتما المجتمع المدني الذي لا يمكن تصور وجودها بدونه وبدون العناصر الأخرى المشكلة لها مثل السكان وهويتهم الثقافية والتاريخية، والجغرافيا المحددة للبلاد، والسيادة الوطنية، والتراث الروحي والتاريخي والثقافي، والمشروع المستقبلي الواضح، وكذلك استراتيجيات التخلص من كافة أشكال التبعية للخارج.
من هنا ندرك أن مفهوم الدولة المدنية يدل على مجموعة خصائص مثل “مجموع المؤسسات المدعوة عموما بالمؤسسات الخاصة” مثل وسائل الإعلام الخاصة، والنقابات والجمعيات التطوعية، والأحزاب عندما لا تكون في السلطة التنفيذية، والمؤسسات الدينية غير التابعة للحكومة. أما الأجهزة التابعة للحكومة أو للنظام الحاكم مثل جهاز القضاء، والمؤسسات القمعية مثل الشرطة والقوات العسكرية فهي ليست مدنية ولا تنتمي إلى ماهية المجتمع المدني.
لا شك أن الدولة الحديثة والمعاصرة، في أي من بلدان العالم، لها بوليسها وجيشها وجهازها القضائي وسجونها، ولكن مدنيتها تقاس بقدر وظيفتها غير القمعية. على هذا الأساس فإن الدولة الجزائرية لا تملك بنية ذات هوية مدنية بل هي مجرد فسيفساء من حكم العشيرة، والرجل الواحد وجماعته، وأحزاب الموالاة التي تتحكم في ثقافتها النزعة التوفيقية والتلفيقية.
أزراج عمر- كاتب جزائري

Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال