اختبارات متنوعة لتصنيع الموت

الإرادة الإنسانية تهاوت على إيقاع أصوليات ممانعة لكل ما هو حداثي، تهدف إلى تشكيل العالم عبر ربط السلطة الدنيوية بالدين.
كثيرة هي الشعوب التي تخضع لتجارب قاسية ومدمرة، ولكل شعب آليته في مقاومة تداعياتها المؤلمة، وطريقته في الخروج من هول المآسي التي مهما اختلفت أسبابها ونتائجها تتوثق عراها في حياكة الدمار وتصنيع الموت بدقة.
مخاض عسير، يكشف عيوب التخطيط المصطنع لكيانات دول قائمة أصلاً، اختبارات اجتماعية وسياسية، تشير نحو فشل النخب العربية فى إدارة هذه البلاد، وتبرز وهم الوحدة الوطنية داخل دول شوهتها أنظمة سلطوية. نظريات للفناء سوّقها الغرب عبر آلة فكرية أغرقت الدول، خصوصاً الديكتاتورية، في موجات “الفوضى”، ولم تضع في حساباتها الفراغ الذي سينتج في المجال السياسي والاجتماعي، لتنبثق ميليشيات التطرف وحروب الطوائف والملل وتصفية الحسابات، فتنجز تراجيديا متفجرة متناثرة بنهايات مفتوحة.
حقائق سياسية غير قابلة للديمومة لحكام وأنظمة خلطت الأفكار، وعملت على تضييع الفرق بين “الدولة والسلطة” الأولى كناتج تاريخي للوعي الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، لشعب فوق أرض يحدده الإطار الدستوري. والثانية توصف كيان عابر، يستمد شرعيته من الكيان التاريخي “الدولة”، يتداخلان في الواقع، وفي وعي الناس وثقافتهم، حين تتحول السلطة لتكون سلطة فوق الدولة، فتسقط سيادة الدولة والشعب، وتنتهي شرعية السلطة، إذ تتحول من سلطة دستور وقانون إلى سلطة أفراد ومستبدّين وطغاة، يغلقون زوايا الدول على الركام.
معادلات عدائية مختلفة أسسها التخلف والنقص الفادح بالديمقراطية، تهاوت معها الإرادة الإنسانية على إيقاع أصوليات ممانعة لكل ما هو حداثيّ، تهدف إلى تشكيل العالم عبر مزج المطلق بالنسبي، وربط السلطة الدنيوية بالدين، لا يختلف فيها من يقسّم المجتمع بين جاهل ومسلم، ومن يستند على الشريعة ويجعل “الولي الفقيه” سمة الحاكم. بالحالتيْن يتحول النسبي إلى مطلق، والحقيقة العابرة إلى حقيقة أبدية تقود فكرها، وتفتح نيران حرب بين زمنين تقود دمارها المقدس.
حروب بالجملة، تفصل حدودها، تهتز خارطة المنطقة ودول الإقليم والعالم السياسية انعكاساً لتفاهمات جديدة غربية وإقليمية ليست بعيدة عن الطرف الصهيوني، تبني مصالحها على حساب حقوق الشعوب. وتتكاثف التباينات في فهم البشر للدين، تترنح صدقية فقهاء ورجال دين تجاوزوا حدود التدين والعبادة والاعتدال، وحولوا النصوص إلى أيديولوجية سوداء ناسفة للإرث الإسلامي. تتزايد التشابكات الفكرية تهز اليمين واليسار معا، وتنثر بقايا نظريات انتهت صلاحيتها وتسقطها في تناقضها مع الواقع. يسيطر العقم والهشاشة الثقافية حتى على فهم تاريخنا بعد أن تغطت عظمته بوشاح العقائد المشوهة.
اختبارات متنوعة ستغير كل شيء، تنتهي داخل مرجلها عقائد وأيديولوجيات وتموت أفكار وقوى وأحزاب ونخب، والثابت أن الضحايا لا يمكن أن يحاكموا كجناة على قتل ذاتهم، والشعوب المقهورة لن تنتظر طويلا اتفاقيات الغير، فهي لا تبحث عن رصاصة الرحمة القاتلة بل عن الحياة.
هوازن خداج/كاتبة ورسامة سورية
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال