رواية عراقية "مياه متصحرة"عن المرض الطائفي ورحلة الموت الجماعي

إنها المنطقة المجهولة للإنسان، تلك التي يقتحمها حازم كمال الدين في روايته الأخيرة “مياه متصحرة” الصادرة عن دار “فضاءات للنشر والتوزيع”، بالعاصمة الأردنية عمان، بلغة واضحة لا تقبل التأويل يكتب الروائي والمسرحي البلجيكي، ذي الجذور العراقية، بيان نعيه، إنها اللحظة المستحيلة، تلك التي يتقدّم فيها بطل الرواية الذي يحمل الاسم الصريح للكاتب علنا لا مواربة، مخترقا حاجز الصوت والرؤية عبر عقل تحليلي وتركيبي يبتعد قدر ما يمكنه عن المسلّمات الأولى.
"مياه متصحرة" أسئلة مطلقة في مشهد مأساوي
يضع بطل رواية “مياه متصحرة” لحازم كمال الدين كلّ المعتقدات على الطاولة محاولا رؤيتها من أكثر من زاوية، معتمدا تارة على توقّف الزمن الشاقولي واتجاهه نحو التجمّد والعدم في أمكنة متعدّدة من حيث الجغرافيا والهوية والانتماءات المذهبية والطائفية.
لم تكن الأمكنة فقط أحياء ثابتة في جمهورية الكانتونات الطائفية الضيّقة التي أرساها الكاتب في روايته الأولى باللغة العربية “كابرهيت”، بل تعدّت ذلك لتشمل مدنا وضواحي عدّة على امتداد بلاد الرافدين الذي مزّقته الصراعات الطائفية.
أصل الحكاية
هنا أمسك حازم كمال الدين الروائي وبطل الحكاية في آن معا بجذوة الحكاية حين جعل الزمن لعبة يقلّبها كما يريد معيدا حدث الموت المشتهى في صور مختلفة. صاحب الحكاية الذي يراقب كل شيء حين تبدأ أسطورته من لحظة الموت، ليتناوله هنا الروائي ساردا مرحلة غاية في الحساسية، تلك التي تمتدّ بين إعلان الموت حتى الدفن والمواراة تحت التراب، المرحلة الأصعب التي يتخلى فيها الإنسان عن انتماءاته بينما يصرّ الآخرون من منطلق الوفاء للراحل على إقامة المراسم كاملة.
بين الصراع الخارجي الذي يعيشه أبطال الحكاية لإرساء معتقداتهم وبين التجاويف والدهاليز التي يعبرها البطل الميّت، يكمن أصل الحكاية، فالكلّ يريد إقامة الحق الذي يراه؛ الأب الشيعي، الأم السنيّة، رفاق درب الراحل، المسرحيون القدامى.
صاحب الحكاية الذي يراقب كل شيء حين تبدأ أسطورته من لحظة الموت
هؤلاء كلهم يظهرون ويحتفون بإيقاع مسرحي أتقنه حازم كمال الدين بصفته الروائي والسارد المتحكّم بالميت الذي حمل اسمه وصفاته الشخصية فكان أسمر طويلا مقطوع السبابة من كفّه الأيسر.
خلال الرحلة الأخيرة يطرح الكاتب سلسلة من الرؤى التي لا تحتمل معاني متعددة، وإعلان وفاة الوطن كان أبرزها، نلحظ هذا مثلا حين أنجز المشيّعون بطاقات مزوّرة بأسماء سنيّة لإبرازها على الحواجز الشيعية وبطاقات أخرى شيعية لإبرازها على الحواجز الشيعية لتنكشف الحيلة حين يُسألون في أحد الحواجز عن هوية الميت حيث نسي المشيعون أن يزوّروا له هويتين.
حتى الموتى ضحايا لهذه الحرب الباردة، هنا يشير حازم كمال الدين إلى ما يحدث على امتداد العراق وسوريا في مفارقة أسقطت التعايش السلمي الذي عاش تحت مظلته الجميع لعقود طويلة.
لا تخفى معرفة الروائي ببيئته وتفاصيلها وهذا جليّ من خلال اللهجات المحلية في العراق التي تظهر على لسان الشخصيات في مواطن متعددة من المتن الروائي. لم يأبه الكاتب لتتالي الزمن ولم يحاول إظهار استيعاب الزمان للمكان لأن الحدث في الأصل خارج الزمان والمكان في ذات الآن، فكلاهما على هامش الحدث ممتدّان إلى ما لا نهاية له.
فالرؤية في الحكاية كانت من منطقة بين عالمين، الأولى هي الدنيا والثانية هي الآخرة، بينهما فقط أنشأ كمال الدين بهندسة إبداعية سراديب عديدة تطوف بالقارئ بعيون وآذان الميّتين لنرى قبح العالم الذي نعيش فيه والاقتتال الدائر على صغائر لا قيمة لها عند الراحلين.
السرد والتجريب
السرد في القصيدة الروائية والتجريب في المسرح الروائي ربما هذه التقنية الجديدة التي ابتدعها الكاتب نحتا ورسما لشخصيات العمل الذي أراه عصيّا على التجنيس الأدبي، تظهر أدوات الكاتب المسرحي بصورة واضحة حيث يسير حازم على وتر مشدود فاردا يديه منطلقا لكتابة بيان النعي رقم واحد متخلصا من كل الإرهاصات التي تسبق الموت الذي أتاه مصادفة بانفجار طارئ ضرب أحد أسواق العاصمة بغداد.
هنا لا يكتفي الكاتب بمحاكمة الموت المجاني بل يتعدّى ذلك إلى العقد الديني والاجتماعي والسياسي في العراق، فقد قدّم حازم كمال الدين سلسلة حكايات في حكاية واحدة وعالج أنماطا بشرية في نمط واحد وأبرز إمكانية اجتماع النقيضين على أرض واحدة وتحت سقف واحد.
فلو قرأنا بأنّ البطل الميت هو العراق والمهتمون بالتشييع هم أصحاب السكن فيه لكانت الرؤية التي عالجها الكاتب صحيحة لا غبار عليها، وإن قرأناه بعقلية البحث عن الحقيقة فقد أطاح حازم بكل الحقائق وأعلى من شأن الإنسان والموت معا بينما ظلّت الحياة عنده مرحلة للإنجاز لا أكثر، ذلك الإنجاز الذي قد ينتهي في لحظة واحدة بتفجير لا يحتمل أجزاء من الثانية يصيب مكانا ما يتواجد فيه أناس بالصدفة البحتة.
الوطن القائم على صدفة الانتماءات الطارئة والولاءات المذهبية وسلطة الولاية على العقل أسقطه حازم كمال الدين وأبقى الإنسان وحده القادر على تجاوز كل أزماته حتى الموت، حيث ألبسه الراوي ثوب الفرح في رحلته الأخيرة، فرح الخلاص من المأساة التي نعيشها في الشرق حتى لو كلّفه ذلك أن يمنح البطل اسمه وصفاته الشخصية بلسان السارد العليم تارة وبأصوات متعددة أطوارا أخرى.
عبدالله مكسور
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال