مسلمون ومسيحيون .. وعنف متبادل

النقاش و الحوار مع المثقفين (العقائديين) .. امر يتطلب صبر و مهارة و علم قد لا يتوفر للكثير منا .. لذا تصبح القضايا البسيطة مثل حق الانسان في الحياة الامنة موضوع شديد التعقيد والصعوبة و يتطلب حوارا طويلا قد ينتهي باتهام جاهز بأنك كافر ملحد زنديق. 
المثقف عقائديا المسلم عندما يطرح مدى (تسامح ) الاسلام مع المخالفين.. عادة ما يعود بمحدثه الي مرحلتين.. الاولي في زمن عمر بن الخطاب و عهدته (العمرية الشهيرة ) و عدم صلاته (العصر) في الكنيسة حتي لا يحولها المسلمون لجامع وقوله لعمرو بن العاص متي إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا و الثانية في عهود الامبراطورية العثمانية التي أعطت الفرصة لابناء الاقليات أن يزاولوا شعائر حرية دينية سمحة معتمدة علي الفقه الحنفي(لهم ما لنا وعليهم ما علينا ) ما دامت في إطار القانون (الهاميوني ) و تحت سيطرة الحاكم التركي و جندرمته.
اما المثقف المسيحي.. فسيعود لنفس الفترتين ليقدم دلائل إستغلال وقهر و إستعباد السكان الاصليين وسرقة كنوزهم كما دونه المسلمون والمسيحيون الذين عاصروا ذلك الزمن.. مع تقديم أدلة إبادة الاقليات الدينية بواسطة الحكام العثمانيون سواء كانوا ارمن او قبط او مارونيون او من مسيحي البلقان .
من يقول أن السلطان التركي لم يضطهد اليهود و يطردهم كما طردهم حكام لهم في اسبانيا و المانيا و روسيا.. صحيح.. و من يقول أن اليهود في شبه الجزيرة العربية والعراق والمغرب ومصر لاقوا الامرين و إضطروا للمطالبة بوطن قومي والهروب من ديار الاسلام صحيح.
المثقف المسلم عندما يتكلم عن فظائع الصليبين.. و قهرهم لاهل المنطقة التي إحتلوها وتركوها في سلسلة من الشد والجذب لم تتوقف حتي اليوم.. صادق. و المثقف المسيحي الذى يناقش حجم ضحايا إعتداءات المسلمين علي المسيحيين بعد مغادرة الحملة الفرنسية مصر..أيضا صادق. 
العلاقة بين المسلم (الذى يعتقد أنه الاعلي و الافضل و الاولي بالقيادة ) و المسيحي ( الذى يرى أنه صاحب البلد الذى تم الاعتداء علية و اسره داخل نظام الغزاه المتخلف المضاد له ) علاقة لم تكن أبدا سلمية او عادلة او حتي إنسانية
عندما يتفوق المسلم.. فهو يعتقد بالعديد من الادلة القرآنية والاحاديث و تصرفات السلف أن عليه القيادة بواسطة شريعته الغراء (التي تضمن للمخالفين الامان و الامن علي حياتهم و اموالهم.. و ارضهم ). وأن دار الاسلام رحبه تساع المخالفين ما داموا يسلمون قيادهم للسادة الاشراف القادمون من شبه جزيرة العرب . 
ورغم أن التاريخ البعيد و القريب ينفي هذا إلا أنه يتمسك بنصوص.. تجعل لا فضل لعربي علي أعجمي.. و بأخر مأخوذ من خطبة وداع الرسول عن أن الناس كلها قادمة من اصل واحد و لا يفضل أى منهم علي الاخر بسبب لون او جنس . وأن لكم دينكم ولي دين.. و لا إكراه في الدين. 
و عندما يتفوق المسيحي.. فهو يرفض أن يبقي علي ارضه الا المسيحي.. لذلك عندما إنتصروا في أسبانيا طردوا المسلم و اليهودى .. لتصبح بلادهم لهم وحدهم .. نفس الموقف في البلقان.. و في جزء من لبنان.. وفي أغلب دول اوروبا علي الاقل حتي نهاية الحرب العالمية الثانية .
هذه العلاقة المريضة( من الجهتين ) بين المسلمين و المسيحين إستمرت علي مدى التاريخ..خصوصا بعد أن بدأت جيوش إبن الخطاب تطرق أبواب الاقطار المحيطة و تدعي أن في فارس والشام كان المسيحيون يقابلونها بالورود و الاحضان والاحتفال.. لتخلصهم من حكم المسيحيين الرومان ،ومع ذلك كانت تستعبدهم و تسقط عنهم جنسيتهم في أوطانهم ليصبحوا موالي او ذميين.. يعيشون في بلاد الاسلام.
المسلمون منذ أن ظهرت لهم أظافر و أنياب لم يتوقفوا عن العدوان وإضطهاد الامم المغلوبة علي أمرها.. هذا واقع.. مكتوب في كتب التاريخ بالأسماء و المواقع و الازمنه.. و المسيحيون أيضا لم يختلفوا كثيرا.. سواء في حروبهم الداخلية او غزواتهم الخارجية.. و عندما كان يصطدم كل منهما بالاخر.. كانت تحدث جروح لا تندمل أبدا و تظل تؤلم.. تتناقلها الاجيال جيل بعد الاخر عن مدى فظاعة كل طرف .. 
في مصر مثلا نتناقل مجزرة دونشواى.. ورئيس محكمتها .. بطرس باشا غالي.. والاقباط لا ينسون أن بطرس باشا اول رئيس وزراء قبطي تم إغتيالة بواسطة مسلم .
وهكذا.. يرى المسلمون أن الاقباط خونه .. ساندوا الحملة الفرنسية.. و يرى الاقباط أن الجنرال (المعلم ) يعقوب كان وطنيا.. يحارب المماليك و العثمانيين في تحالف مع قوات (مينو) الفرنسية دفاعا عن أهله القبط الذين تعرضوا للعدوان .
في مصر يحكي الاقباط لماذا سموهم عضمة زرقاء.. و كيف كان سلاطين( الفاطمية) يجبرونهم علي وضع صليب ضخم يتسبب في زرقة عضمة الرقبة.. في حين أن المسلمين يقولون أن الخلفاء الفاطميين كانوا يعينون من المسيحيين و اليهود.. وزراء و حكاما لدرجة انهم (( كتبوا لخليفة المعز سنة 380 هجرية بالذى أعز النصارى بنسطورس وأعز اليهود بمنشاة و أذل المسلمين بك الا رحمتهم و أزلت هذه المظالم)).
المسلمون يقولون أنهم تركوا إدارة و حكم البلاد لاهلها .. و ان الادارة كانت بيد سكانها الاصليين.. ولم يتدخل الغزاة في ذلك.. والمسيحيون يقولون لانهم جاءوا من شبه الجزيرة اجلاف جهله لا يتقنون الا القتل و الارهاب والغزوات فإضطروا للاستعانة باهل البلد حتي لو لم يسلموا.
معرفة حقيقة ما حدث ..بعد التقدم العلمي و التكنولوجي.. لا أشك للحظه أنه سيصبح مفهوما قريبا.. خصوصا بعد الغزو الاخير لاوروبا بجحافل اللاجئين.. و لكن السؤال اليوم.. ما تأثير هذا الكره( حتي ولو كان مخالفا لتعليمات الاديان ) و العنف( حتي لو أنكره كلاهما ) المتبادل بين الطرفين علي الحياة المعاصرة في حالتين أى عندما يكون المسلمون أغلبية.. و بالعكس .
مرت الاغلبية المسلمة بمرحلتين ..أحدهما عندما كانت قوية و متسلطة .. والاخرى عندما سقطت .. تحت بنادق و حراب الاحتلال.. أو فلنقول.. من زمن ( تمكن إمبراطورية إبن الخطاب حتي سقوط إمبراطورية بني عثمان) كمرحلة للقدرة.. و من زمن( تفوق الغرب العسكرى و الاخلاقي و السلوكي و الاقتصادى المستمر حتي اليوم ). اما العكس فهو عندما يكون المسلمون أقلية بين أبناء ديانات أخرى من بينها المسيحية.
منذ أن عرف البدوى أنه قادر علي دحر الامبراطوريتين الفارسية و جزء كبير من الرومانية .. فإنه إعتبر نفسه جنس مميز.. محظوظ بدعم ربه الواحد الاحد .. خالق الكون و مدبره.. وأن كل ما يقوم به من أعمال محروسه بارادته سبحانه.. وأن ربه يقوده الي الصواب بكلماته التي لا يأتيها الباطل مهما دارت السنين.. و هكذا أصبح الاخر مهزوما ليس بقوة البشر و لكن بإرادة الرحمن. هذا العجز الفكرى جعل المسلم دائما خارج إطار المعاصرة.. حتي لو بني القصور و مهد الطرق و شق القنوات.. فكله بارادته سبحانه ..بحيث خاطب الرشيد سحابة عابره قائلا لها..(( إنزلي مطرك حيث تشاءين .. فسيأتيني خراجك )) المسلم المدعوم.. بقوة ربه.. لايقف أمام شرهه شيئا.. فكله بإرادته .. وهو الذى يهبه الملك و الثروة و الجاه.. و الرزق.. لانه حبيبه الذى يؤدى الطقوس الدينية في مواعيدها.. وبذلك.. نستطيع أن نضع ملامح متوسطة ( دون الوقوع في شرك التعميم ) لمسلمي التفوق تجعل منهم يعيشون في رفاهية عبثية.. جهله.. عنيفي السلوك.. جامدى الحس و القلب حيث يستطيع تيمور لنك أن يسوق الخيل علي الاف الاطفال الاسرى حول دمشق لان الله سبحانة لم يلن قلبه لهم .
علي العكس فإن الملى او المولي اوالذمي.. الذى يؤخذ ما بيدة.. و يختم كتفه لكي لا يغادر أرضه.. وتسبي إبنته و تباع وفاء لدينه.. و يتعرض للسطو ليل ونهار.. وملزم بإستضافة غاصبية لو حلوا في قريته لسبع ليالي.. يصبح علية السعي المستمر لتحسين أدوات عمله و قدراته الفكرية و الثقافية.. ورفع مقدار قوته الايمانيه بان الحق سيأتي لا محال.. وأن ربه يرى و يسمع و لن يتركه وحيدا مهما حدث.. فالصبر علي المكاره سيعجل بالفرج. 
هذه الملامح العامة ( دون الوقوع في شرك التعميم ) إشترك فيها المصريون.. جميعا من..إنتقل لفسطاط الغزاة و من قنع بالبقاء في فسطاطه علي دين الاباء و الاجداد. و هكذا تشكل للبشر علي هذه الارض.. ما يسمي بملامح الشخصية المصرية.. المتواكلة.. التي تطور من إمكانياتها و لكن تبخل بها علي الحكومة المستغلة.. و التي ترى..أن ما يحدث لها من خير او شر فإنه قدر السماء هذا القدر إستمرنفوذه علي هذه الارض لالف و اربعمائة سنة.. حتي الزمن الذى تفوق فيه الغرب و إحتل الانجليز مصر في نهاية القرن التاسع عشر ليتغير الموقف.. لما هو نحن الان عليه .
وحتي لا تتوه منا الحقائق سنستطيع أن نقول بقدر ما من الثقة..أن الحكام المسلمين.. كانوا في حاجة الي جهد وقدرات و خبرة سكان البلد من المخالفين دينيا.. وأنهم بذلك زاولوا عليهم قهرا مزدوجا.. ألاستغلال.. و التهميش.. بسبب الدين.. وان حتي من إنضم للدين الجديد من المحليين لم يجلس علي دكة الحكم أبدا( سمح لبعضهم بالجبة و القفطان الاسلامي ).. وأن الحاكم العربي او المملوكي او التركي كان في الغالب.. لايملك الخبرة الكافية.. ولا العلم.. و لا الكفاءة.. بحيث ظل دائما (طرطورا)و(بلطجيا)و (متأمرا)أكثر منه رجل دولة بحيث لم يقدر لهذا المكان أن يرتفع فوق قدرة الموحل إلا في أقل القليل. اما السكان الذين أغلبهم من المخالفين دينيا.. فلقد ساد بينهم صفات أخجل عن إعادة سردها كما كتبها.. المسلمون الاوائل و الباحثون الاوربيون المستجدون في القرن الثامن و التاسع عشر. 
عندما دخل بونابرته مصر فوجيء بحجم التخلف الذى كانت عليه.. وحاول بشكل او أخر أن يستعين بالمسيحيين المحليين.. الذين كانت إستجابتهم لانوار الغرب أسرع.. وتعلمهم اللغة الغريبة أفضل .. و إتقانهم لاساليب الحياة العصرية لا يشوبه موانع الشريعة وفتاوى الازهريين.. لذلك عندما رحلت الحملة الفرنسية ..إنقلب غلاة المسلمين علي مواطنيهم.. بالذبح و القتل و النهب.. و التخريب.. حتي أنقذتهم جنود السلطان التركي و عصر محمد علي . 
في الزمن التالي او بدايات القرن التاسع عشر كان الوالي الجديد.. قد جاء ومعه خططه لان يحكم دولة مدنية حديثة.. وهنا كان يهتم بمن هو علي القدر المناسب من الكفاءة .. وبدأ المصرى تدريجيا يأمل في حياة معاصرة.. حتي سقط النظام في (نيفارين ).. و إحتل الانجليز مصر. 
الوضع الذى وجده نابليون يخالف ما وجده كتشنر. لقد وجد مصريون.. لا أتباع دينين.. ورغم كل المحاولات.. للتفرقة وزرع البغضاء.. فإن لحسن الحظ إعتبرت الكنيسة القبطية أن الكنيسة الانجيلية أخطر عليها.. من المسلمين.. فساد شعور بالوطنية نحي جانبا المشاعر الدينية . 
ما علينا.. لقد خضت في هذا الطريق لسبب أن المسلمين..(عكس ما حدث مع المحتل العربي او العثماني) تخلوا.. عن فكرة التفوق الغبي.. وإهتموا بالمواطنة.. التي توحد ابناء الامه في مواجهه مع المحتل الانجليزى.
عندما خرج الانجليز من مصر عاد الحكام الي صلفهم و تفرقتهم بين المواطنين بسبب الدي.. و عاد الشعب للتقوقع مستسلما لديكتاتورية فاشيستية إثنية.. وعادت ريمة لعادتها القديمة.. تكاد تطلب من المسيحي أن يضع صليبا ضخما علي صدره لتزرق عضمة رقبته .
عندما جاءت الاموال بدون حساب لاصحاب الجاز.. تحول الموقف.. و تصور المسلمون لوهلة..أنهم خير الامم.. وبدأ عهد جديد من الكراهية المتبادلة.. غير المنطقية.. فالمسلم الخليجي يدين بالخضوع للمسيحي او اليهودى العارف باسرار استخراج و تسويق و تكرير جازه. وهو في نفس الوقت يعادى المختلف معه دينيا مخرجا من القبو المظلم كل الادلة و البراهين علي أن أى شخص غير مسلم إنما هو كافر يستحق الموت . 
الاوروبي الذى أصبح أكثر وعيا و إنسانية وقدرة.. لا يقسوا علي هؤلاء المعاتيه.. عسي أن يستنفذ ما بيدهم من ثروة.. ثم يلق بهم في صفيحة القمامه ..و المسلمون.. تضنيهم أحلام يقظة غير قابلة حتي للعرض عن أنهم سوف يحكمون العالم.. في حقد وكره.. وعدوانية لا تتوقف علي الاخرين. 
هذا الموضوع هكذا أصبح خطيرا فعندما تقرأ للمسلمين المحدثين مثل طارق البشرى ، فهمي هويدى أو وعاظ حزب النور تكاد تتصور أن جنة المسيحي و حلمة و أمله أن يعيش محكوما بواسطة الشريعة و الفقه الاسلامي، ثم عندما تنظر حولك تجد أن العدالة و الرحمة الاسلامية هي أن يفصلوا رؤوس المسيحي عن رقبته أو تباع بناته وزوجاته في سوق النخاسة متعة للاجلاف من حاملي الدنانير أو يحرقوا بيته و متجره و يستولوا علي أرضة (الكافرة ) مقابل دفع الجزية.. ومع هذالازال هناك من المسيحيين(الموالي ) من يرسلون مع الورود الامل لحزب النور راضين بأن يكونوا من أهل الذمة وينضمون لقوائمه.. مقتنعين بمبادئة. 
لقد أصبح الموقف أقرب للكوميديا السوداء.. و زيادة الكره و تبادل المشاعر غير السوية بين الطرفين أقرب للحقائق التي نأبي أن نناقشها بوضوح.. ولهذا سأبدأ النقاش. بأن زمننا لم يعد يتحمل البغض و الكراهية بسبب الاختلاف العقائدى ولنا فيما يحدث في بلاد الدنيا (التي فيها المسلمون أقلية مصان حقوقها) نموذجا.. 
فكيف يمكن أن تغلب علي هذا الخبث اللعين.. هل بإنتظار إنتهاء حقبة البترول.. هذا لن يكون كافيا.. بالتعليم و التثقيف.. لن يكون مناسبا..كذلك فإن الحروب لن تجدى.. ماذا يا سادة!! 
غير الاقتداء بالغرب (الذى لا يؤذى مسلميه رغم عدوانيتهم).. وإنهاء حقبة سيطرة الاديان بأسرع ما يمكن....إنه التحدى الذى سيواجه المسلم و المسيحي في بلادنا.. حتي تتوقف البغضاء المتبادلة بسبب إختلاف العقائد. 
ماذا تقول سيادتك؟ أنا في إنتظار الحوار بشرط الا ترجع فيه لنصوص كتابك لانها ستكون مانعة لاى إسترسال نافيا او مؤيدا. 
محمد حسين يونس /الحوار المتمدن
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال