الوصاية الفكرية على المجتمعات أخطر أمراض الإسلام السياسي

يسعى الإسلام السياسي إلى الهيمنة على عقول الناس وفق وصايته الأخلاقية المستمدة من المقدس التاريخي والنص التأويلي التفسيري، فالتحكم في المجال الجغرافي مثلا يفتح الباب أمام تشكيلات الإسلامويين للتحكم في العقلي والمعرفي للفئة المراد السيطرة عليها وإخضاعها لرؤاهم التي تقف على هامش إفتاء علماء طوى التاريخ اجتهاداتهم، وهذا ما يجعل الإسلام السياسي يعيش على هامش الواقع المعيش لا في صلب مشكلاته.
يخطئ من يظن أن ما يجري اليوم من تطبيق لما يسمّى بـ”الشريعة” من قبل التنظيمات المتشددة والمرفوض عقلا وأخلاقا من قبل المتابعين والمعنيين، أنه منفصم عن قبسات تأويلية أو واقعية نقلها المؤرخ الإسلامي في أمهات الكتب التي يستند إليها الباحثون في الشأن الإسلامي وأصحاب الفتوى والقرار، ودائما ما يستعجل الإسلام السياسي في تطبيق قراراته استنادا إلى التاريخ لأنه قادر على إقناع نفسه أولا بأنه ما يزال يدور في فلك الشريعة ومن جانب آخر فهو قادر على الاحتجاج بالتاريخ أمام الآخرين لإقناعهم.
من أهم ما يتم التركيز عليه من قبل الإسلاميين حين يمدون سيطرتهم على بقعة معيّنة من العالم، هو قضية الوصاية الفكرية على أهل هذه البقعة.
وربما يُطرح رأي مفاده أن الأديان بجلها تمارس الوصاية الفكرية، وهذا الأمر فيه حيف كبير حيث أن الأديان تنتهج دائما التحريض والدعوة ولا تنتهج الإكراه وما إن يتم الإكراه أو إيقاع العقوبة على أي شخص يخالف التعاليم وما يسمّى بالشريعة، فقد تحول الدين إلى إطار سياسي يحاول فرض أيديولوجيته على أبناء البقعة التي باتت تحت سيطرة المتديّنين، وهذا ما يعنينا.
ما يهمنا هو الإسلام السياسي الذي يسعى دائما إلى تطبيق الوصاية الفكرية بكل أشكالها المجتمعية والأخلاقية والعبادية والسياسية. وقد أثبتت التجارب على مر التاريخ أن الدين السياسي لا يستطيع أن ينفّذ أيّ أجندة دون فرض وصاية فكرية يستند في تبرير تطبيقها إلى مرجعيات ماورائية وتأويلية.
قد تندرج تحت مصطلح “الوصاية الفكرية” أحيانا المسؤولية بالنيابة مثلا وهذا أمر منبعه ديني ولكن السياسيين الإسلاميين يحتكمون إليه ويتجسد في عدم قبول فكر المواطن المتجرد إلا من خلال نخبة من العلماء يجب أن يكون المواطن تابعا لهم في طريقة تعاملاته وعباداته وكافة أمور حياته.
 الدين السياسي لا يستطيع أن ينفذ أي أجندة دون فرض وصاية فكرية يستند في تبرير تطبيقها إلى مرجعيات ماورائية وتأويلية
حيث أقرّت المذاهب الإسلامية غير الشيعية أن يلتزم المسلم برأي الفقهاء الأربعة “النعمان بن ثابت، المالكي، الشافعي وابن حنبل” وأضيف إليها فيما بعد من يبعّض من فتاوى الملحقين “ابن تيمية، ابن حزم، و محمد بن عبدالوهاب”، وانفرد الشيعة في عدم جواز تقليد الميّت ابتداء وراج عندهم ما عرف بمؤسسة المرجعيات والأعلميات الفقهية.
المواطن في ظل الإسلام السياسي لا يستطيع أن يتصرف في معاملات حياته إلا من خلال رجل له الأولوية في أن يعود إليه الآخرون. فيما تجد أن الطامة عند المذاهب السنية أكبر من غيرها في المذهب الشيعي، حيث وجب على المولود في آخر أعوام القرن العشرين أو ما بعده العودة إلى رأي فقهاء توفوا قبل أكثر من ألف عام. ولو أن الأمر لا يبتعد كثيرا عن المسلمين الشيعة حيث يستنسخ علماؤهم رسالات قديمة لا يجددون فيها إلا بعض الأمور غير المؤثرة على الواقع.
الوصاية الفكرية يمكن أن يستقدمها الإسلام السياسي على مستوى الفروض الأخلاقية والاجتماعية من خلال فرض طرائق خاصة للحياة ضمن الرقعة الجغرافية التي يقودها ساسة الإسلام السياسي مثل فرض الحجاب إلى فرض البرقع مرورا بإطلاق اللحى وفرض مكوس الزكاة وفقا للشريعة.
يقول نزار يوسف في كتاب “الوصاية الفكرية”، إن فكرة الوصاية تعني المسؤولية بالنيابة عن شخص أو مجموعة أشخاص معيّنين في التصرف والقيام بأعمال معيّنة نيابة عنهم، بحكم أن هؤلاء الأشخاص غير مؤهلين للقيام بهذه الأعمال، إمّا نتيجة لعامل السن كعدم بلوغهم السن القانونية أو الشرعية التي تخوّلهم القيام بتلك الأعمال، أو لخلل في قدراتهم العقلية يمنعهم من ذلك ما يستوجب أيضا وجوب أشخاص قيّمين عليهم وعلى تصرفاتهم وأفعالهم ومنعهم من القيام بأي عمل يشكل خطرا على المجتمع والآخرين.
خطورة الوصاية الفكرية تكمن في تكبيل عقل المسلم وعدم الثقة به واختصار القدرة على التفكير في نخبة تفتي لبعضها من أجل إدامة الوجود واستمرار عملية التسلط
وإمّا لقصورهم المادي والمعنوي عن القيام بأمر معيّن، مما يستوجب القيام به من قبل أشخاص آخرين نيابة عنهم يتمتعون بالقدرة على القيام بهذا العمل. قد يكون النص فيه الكثير من العمومية لكنه فعلا يشير إلى خطورة أن تتعطل إبداعات الآخرين مقابل إبداع يستند إلى الشريعة فقط وهو إبداع العلماء والقادرين على استنباط الحكم الشرعي الذي يكبّل الآخرين في أفقه ولا يقبل بأيّ عمل سواه وفق الشريعة دائما.
وفي العودة إلى الدين ووضعه المجتمعي دون سلطة فإنه يحتكم دائما إلى الآية “لا إكراه في الدين” الأمر الذي يؤوله الساسة ولا يعتدّون به، لأنه حسب رأي البعض آية منسوخة ولا وجود لها في وقتنا هذا وما يأتي به الدين يجب أن يطبق بحذافيره.
خطورة الوصاية الفكرية تكمن في تكبيل عقل المسلم وعدم الثقة به واختصار القدرة على التفكير في نخبة تفتي لبعضها من أجل إدامة الوجود واستمرار عملية التسلط. وهذا الأمر لا يتم تطبيقه إلا في حال الدكتاتوريات المتقادمة التي تستند إلى شخصية القائد الملهم والضرورة لقيادة المجتمع.
ولا بد من التفريق ما بين العقل النظري والعقل العملي وخصوصا عند ساسة الإسلام حيث يمتازون كثيرا بالتنظير وأفعال العقل المنظّر ولكنه دائما على حساب العقل العامل، فتجد أن النخبة ومن خلال التنظير قد تحلّق في كشف المسكوت عنه أحيانا لكنها عند إعمال العقل تعود مباشرة إلى الموروثات التي تحيق بقدرة العالم على الإبداع والتخلص من شرنقة الشريعة وهي تلك الشرنقة التي تحاول النخب الإسلامية إحاطة العامة بعملية الوصاية عليها من خلال الفتاوى وتطبيق الكثير من التأويلات المنضوية تحت عباءة التاريخ. وهي أيضا تلك العباءة التي يقع الإسلاميون تحت أسرها.
محمد السيد محسن
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال