رمضان تحوّل من شهر القرآن إلى شهر القتل والدماء

مصطلح قتلى القرآن الذي ظهر في القرن الخامس الهجري وحمل مدلولات يمكن إرجاعها إلى المجال الصوفي في عشق الخالق والموت والفناء في معاني القرآن، أصبح القتلى اليوم من نوع جديد بل باسم القرآن. وانطلاقا من تفسيرات وتأويلات حادت بنصوصه عن غايتها، أصبح القتل فكرة ومنهجا ووسيلة في يد الجماعات الجهادية، فبدل الموت في القرآن حبا أصبح القتل به وسيلة وغاية وخاصة في شهر نزوله في رمضان.
أصبح شهر رمضان، وهو شهر نزول القرآن، شهر الدماء والقتل في عدد من بقاع العالم العربي والإسلامي، بسبب جماعات متطرفة تنسب نفسها إلى الإسلام، أفرغت الدين من معانيه السامية الحقيقية، التي صاحبت نزول الوحي، فما فارقته إلا مع انبثاق ظواهر شاذة في حياتنا العامة، أحدثت شرخا عظيما بين النص والمعنى، فأصبح النصّ معلقا على شعارات وبيانات ومواقف فاقدة الروح، مثل أيّ بيان سياسي يطلقه صاحبه ولديه مصلحة فيه.
هكذا أفقدت جماعات الغلو والتكفير نصوص القرآن من مضامين الرحمة والرفق والدعوة بالحسنى، وجعلتها رديفا للقتل والذبح وتيتيم الأطفال وترميل النساء؛ وقد ترسّخ هذا الأمر في الأعوام الأخيرة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ـ بعد ظهور هذه الجماعات ـ حتى أصبح الناس يخشون حلول شهر رمضان بينهم، ويتحسّبون له، ويتوقعون أن يكون شهر التفجيرات، بعد أن كان المسلمون في كل مكان يستقبلونه بالابتهاج ويعدون له عدة المؤمن، لا عدة الخائف المترقّب.
عبارة “قتلى القرآن” استعملها أبو إسحاق الثعالبي، من أهل القرن الخامس الهجري، عنوانا لكتاب فريد من نوعه، متفرد في بابه، ألفه في تخليد أسماء رجال ونساء قتلهم القرآن. رأى الثعالبي أن القرآن الكريم له جاذبية، وأن تلك الجاذبية يمكن أن تصل إلى درجة الإماتة.
لكن مهلا ففي زمن الثعالبي لم تكن جماعات التكفير قد ظهرت بعد، ولم تكن الأسلحة قد تطورت إلى حد التدمير الشامل، ولم يكن الناس قد عرفوا شيئا اسمه التفجير، الذي يؤدي إلى دك مدينة بكاملها ودفن المسلمين تحت أكوام التراب.
كان هم الثعالبي الترجمة لأشخاص تأثروا بالقرآن في لحظات إشراق روحانية بالغة، ففاضت روحهم تحت السلطة الروحية للنص، لا السلطة السياسية.
القرآن نزل للسمو الروحي بالمسلم، لا للهبوط به إلى الدرك الأسفل من الحيوانية، بتوظيفه كشعار للحروب بين المسلمين
وربما كان الثعالبي يدرك بأن السلطة الروحية للنص القرآني نابعة منه، بينما السلطة السياسية نابعة من خارجه، وطارئة عليه، ناتجة عن أناس أو جماعات تلوي عنقه. في الحالة الأولى يكون النص هو المتكلم، وفي الحالة الثانية يكون المتكلم شخصا يحمل سلاحا في يد وتأويلا متشددا في اليد الأخرى.
يقول الثعالبي في مقدمة كتابه، شارحا الهدف منه، في عبارة موجزة تظهر كيف أن القتل من صميم الأفعال الإلهية، لا من صنيع الإنسان، وأن من يملك الحياة والموت هو الله لا غيره “وليعلم الناظر فيه أن لله عبادا اصطفاهم على خلقه، واختصهم بفضله، وهنأهم بنوره، فقتلهم بسيفه، وأماتهم بخوفه”.
وإليك واحدة من القصص التي يرويها الثعالبي “قال منصور بن عمار: كنت أجول في سكك الكوفة بليل، فسمعت قارئا يقرأ في جوف الليل، ويردد القرآن، ويبكي، فقمت على باب داره مستمعا، ثم صحت في شقوق بابه: ‘فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة، أعدت للكافرين’، فسقط، فمات”. وإليك هذه الأخرى “أخبرنا أبو جعفر الخلقاني قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن هارون الفقيه، قال: حدثنا هدبة بن خالد قال: حدثنا أبو جناب القصاب قال: أمّنا زرارة بن أوفى في مسجد بني قشير، فلما بلغ ‘فإذا نُقر في الناقور’ خر ميّتا، فكنت فيمن حمله”.
قد يكون كتاب الثعالبي أُلّف في باب الوعظ والتحفيز على الإيمان والرقائق، وهو على أيّ حال التزم بقواعد الرواية من حيث الإسناد، ولكن ما يهمنا أنه تفطّن إلى العلاقة بين القرآن والقتل قبل قرون عدة، فأعطى للقتل معنى روحيا، لأنه كان يعرف أن القرآن نزل للسمو الروحي بالمسلم، لا للهبوط به إلى الدرك الأسفل من الحيوانية، بتوظيفه كشعار للحروب بين المسلمين.
القضية اليوم قضية إنقاذ القرآن من اللصوص المتربّصين بالآية بعد الآية. فمنذ أن صادرت الجماعات الإسلامية نصوص القرآن، حتى صارت بعض الآيات شعارا لجماعات معيّنة، لا يكاد المرء يتلوها حتى يتناهى إلى ذهنه شبح تلك الجماعة، والقرآن يتم التلاعب به في سوق السياسة، حتى وصلنا إلى جماعات صريحة في العنف والقتل، تتكئ على آيات محددة لاستباحة الدماء وسبي النساء وحرق الزرع والضرع وإتلاف الحضارة، ولا تتردد في التبجّح بأعمالها الوحشية باسم القرآن نفسه؛ والنتيجة أننا كل يوم في العالم العربي والإسلامي نفقد الآلاف من “قتلى القرآن”.
إدريس الكنبوري
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال