خطاب الرئيس التركي يقلّص حظوظ حزبه في تحقيق فوز كاسح

يشحن الرئيس التركي رجب طيبّ أردوغان حملته الانتخابية البرلمانية بخطاب ديني منغلق على ذاته ورافض للآخر يحرّك عبره وجدان المتدينين الأتراك، بعد أن فشل في ميادين الاقتصاد والعلاقات الدولية، متناسيا احتجاجات ميدان تقسيم ومتجاهلا إثباتات تعامله وتسليحه للجماعات الإرهابية في سوريا وغاضا الطرف عن “لوبي” أقربائه الزاحف على مقاعد السلطة في تركيا العثمانية ورافضا مجرّد الحديث عن عذابات الأقليات الكردية والعلوية في بلاده، ناهيك عن السجل الحقوقي السيئ لحكومته في ميادين الصحافة والإعلام والقضاء.
رغم أن الانتخابات المزمع إجراؤها في تركيا يوم 7 يونيو هي انتخابات برلمانية، خاصة بالأحزاب والمشرّحين المستقلّين، ولا علاقة للرئيس التركي بها، إلا أن المتابع للمشهد الانتخابي التركي يلاحظ حضورا طاغيا، للرئيس رجب طيّب أردوغان. ومردّ ذلك أن فوز حزب العدالة والتنمية بأغلبية قوية يضمن لأردوغان تغيير الدستور ومنحه صلاحيات أوسع دون معارضة، وهو أمر تشير استطلاعات الرأي العام إلى أن الحزب سيواجه صعوبات لتحقيقه.
وتولى أردوغان منذ بضعة أسابيع قيادة حملة حزب العدالة والتنمية، رغم أن مرشّح الحزب هو رئيسه، أحمد داود أوغلو؛ وأثار نشاط أردوغان الانتخابي الانتقادات، حيث يعتبر ذلك انتهاكا للميثاق الانتخابي التركي الذي يفرض على الرئيس التزام الحياد في الاستحقاق البرلماني، ولم يلتزم أيضا بمبادئ الجمهورية التركية التي كثيرا ما أدعى أنّه سليل مقاربتها المدنية والحرياتية والدينية، فيما يخصّ الفصل بين الديني والمدني.
ولم ينضبط الرئيس أيضا لأخلاقيات الصراع السياسي، حيث حوّل التنافس الانتخابي إلى جدل ديني وإلى تنقيب في سرائر السياسيين المنافسين على شاكلة “محاكم التفتيش” في أوروبا ما قبل عصور الأنوار؛ كما حوّله من حملة لاختيار نواب الأتراك إلى استفتاء على مشروعه الخاص والشخصي لتحويل نظام البلاد من البرلماني إلى الرئاسي.
اختار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يقف على خط الدفاع الأوّل والأخير على المقدسات وعلى الحريات الدينية في البلاد، علّه يرفع من خلالها من رصيده، فيما لم يعد يفصله عن تحقيق طموحه بأن يجمع في قصره العثماني صلاحيات الرئاسة ورئاسة الحكومة معا، إلاّ يومان، واستطلاعات الرأي لا تنبئ بخير.
ووظّف أردوغان ذكرى الفتح العثماني عام 1453، الذي حوّل عاصمة الإمبراطورية البيزنطية إلى مقر لسلطة الباب العالي، لتصفية الحسابات السياسية والانتخابية مع من قال عنهم إنّهم “يريدون إلغاء الآذان” في تركيا مع من نعتهم بـ”أكلة لحم الخنزير”، في انحدار لمستوى المقارعة السياسية إلى حضيض التفتيش في السرائر والضمائر وفي مسلكيّة إخوانية معتادة لـ”شيطنة” الخصوم وتشويه صورتهم لدى الرأي العامّ.
وطغت مصطلحات “التهجّم” على الآخر على الخطاب الانتخابي لحزب العدالة والتنمية، الذي أصيب منذ بداية “الربيع العربي”، بشخصنة سياسية صيّرته لـ”حزب شخصي” يدور حول محور أردوغان. وعلى الرغم من حملة الاستقالات التي عصفت بالحزب في صائفة 2013، إلا أنّ الحزب لم يجرؤ على القيام بـ”النقد الذاتي” وبقي رهين السلطان أردوغان.
سياسة الأرض المحروقة ..
“تابع لزرادشت ومعاد للدين وآكل لحم الخنزير”، عينّة صغيرة من جملة المفردات الأساسية التي يستخدمها أردوغان وصحبه، من سياسيين وإعلاميين، خلال الحملة الانتخابية البرلمانية والتي يرى فيها مراقبون أنّها تطبيق لسياسة الأرض المحروقة، حيث يسعى المنافس الانتخابي إلى حصر خصومه في “زاوية المقدّس” اعتمادا على أسلوب “التكفير الناعم”، الذي يسقط عن المنافس أي شرعية دينية، حتى ولو كانت شخصية.

كمال كيلتشدار أوغلو: لقد ذهب حزب العدالة والتنمية بعيدا في استغلال الدين في السياسة
وانتقد الرئيس التركي المعارضة مستخدما مصطلحات عرقية ودينية، وكذلك تلميحات جنسية لإدانة خصومه. و”التكفير الناعم” واحدة من الاستراتيجيات الدعائية لأردوغان في انتخابات برلمانية يريد من خلالها إحكام السيطرة على السلطة التشريعية والتنفيذية، بما يسمح له بإقرار دستور جديد يمنح صلاحيات واسعة لرئاسة الجمهورية، وهو ما يعني انتقال “تركيا” الحديثة من الديمقراطية البرلمانية التشاركية إلى النظام الرئاسي الأحادي.
وهي خطوة ترى فيها المعارضة التركية أنّها مرحلة نحو انخراط البلاد في حكم شمولي واستبدادي، إذ كلّما تمحورت الصلاحيات في يد شخص واحد أو مؤسسة واحدة كان الانحدار في مزالق التسلط كبيرا، وكلّما توزّعت السلطات والصلاحيات بين المؤسسات الديمقراطية انفرطت عرى التفرّد في الرأي والحكم.
ولئن كانت المسلكية الديمقراطية المعتادة في الانتقال الديمقراطي متمثلة في الخروج من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني (مثال تونس)، فإنّ الخروج من النظام البرلماني إلى الرئاسي قد يعني سياسيا على الأقلّ، تقلصا في المشاركة السياسية وارتدادا نحو الفردانية في الحكم.
في هذا السياق، يعتبر مراقبون أنّ أردوغان يعتمد استراتيجية “التكفير الناعم” قصد الهروب إلى الأمام من استحقاقات اقتصادية ودستورية وسياسية وإعلامية حقيقية، خاصة عقب فضيحة “السلاح غايت” التي كشفت حجم التنسيق والارتباط العضوي القائم بين نظام أردوغان والجماعات الإرهابية على شاكلة “داعش” و”النصرة”، إضافة إلى الانهيار الكبير للعملة التركية ووصولها إلى مستويات استثنائية من الانحدار أمام العملات العالمية، ما أثر سلبا على الاقتصاد المحلي عامة وعلى معيشة المواطن التركي بصفة خاصّة.
هذا دون التطرق إلى تغلغل “آل أردوغان” في أوساط المال والسياسة في تركيا، حيث من المقرر أن يشارك بيرات بيرق، أحد أصهار أردوغان في الانتخابات البرلمانية الحالية ممثلا لحزب العدالة والتنمية، وذلك بعد أن تولى حتى نهاية 2013 مجموعة مؤسسات “كاليتش” الاقتصادية، إضافة إلى الانتقادات الدولية الموجهة لأردوغان في ملفات الأقليات الدينية والعرقية ورفضه الاعتراف بمجازر الأرمن في 1915 وفي ملفات الاعتداء المنظم على حــرية الصحافة والــرأي.
ولكن في الطرف المقابل، يشير مراقبون إلى أنّه ما كان لأردوغان أن ينتهج هذه المسلكية الدعائية الدينية لولا نجاحه في تكميم الأفواه وتقليم أظافر الصحافة الحرة وملاحقة القضاة والزج بقادة المؤسسة العسكرية في السجن، بل والدفع بالنائب العام –الذي أوقف شحنات السلاح المتدفق من تركيا إلى الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق- إلى الاستقالة الفوريّة.
عجز المعارضة ..
في مناخ الاتهامات والملاحقات الأمنية والقضائية، يصوغ أردوغان خطابه ضدّ خصومه، ضامنا عجز المعارضة التركية، المتهالكة والمؤدلجة، والتي تركت الساحة الدينية فارغة أمام أردوغان للعبث بالمقدس وتطويعه سياسيا وتجييره انتخابيا على مرمى من الجميع، ومؤمنّا افتقاد المجتمع المدني التركي لآليات الردع والمقاومة بعد أن أفرغه أردوغان من مضمونه وفرّخ فيه العشرات من الجمعيات السياسية / المدنية الموالية له.
ولكن أيضا، في سياق من الإفلاس السياسي الأردوغاني من حيث المشاريع والرؤى والمقاربات، يختار أردوغان الانتحار فوق لهب التكفير، ذلك أنّ كلّ الرهانات الإقليمية والدولية التي وضعها الرئيس التركي سقطت في الماء، فلا أوروبا قبلت بعضوية تركيا ولا الإقليم راض على الدور التركي فيما يخص ملفات الإرهاب ولا الأكراد أبرموا مع الحكومة تسوية سياسية تاريخية كثيرا ما وعدهم أردوغان بها ولا أرمينيا تجاوزت جراحات الماضي النازفة؛ وحتّى قبرص التركيّة لم تنجح في الانخراط الحقيقي في مسيرة سلمية مشتركة مع قبرص اليونانية إلا عقب خسارة الموالي لأردوغان درويش ايروغلو للانتخابات الرئاسية ووصول المستقل مصطفى أكينجي إلى سدّة السلطة.
صحيح أنّ أردوغان وحزبه يسيران في طريق شبه سالك للفوز في الانتخابات البرلمانية ولكن، وفق مراقبين أتراك على الأقل، قد يكون هذا الفوز غير كاف لتأمين غالبية نيابية تفتح المجال لإقرار دستور جديد أو إدخال تعديلات جوهرية في ظلّ التبرم الشعبي من حزب بلا “عدالة” ولا “تنمية”؛ مما يعني إمكانية التوجه إلى استفتاء جماهيري عند الاستعصاء البرلماني، ما يعني أيضا مزيد من “التكفير الناعم” لا فقط للسياسيين الأتراك وإنما أيضا لقطاعات شعبية واسعة من غير المنتمين لملّة أردوغان وأهله وحزبه.
أمين بن مسعود
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال