ممنوع التفكير

منذ أكثر من عشرين عاما، حسمت الجامعة موقفها المتأرجح بين أن تصبح معملا للتفكير الحر كما أرادها مؤسسوها، أو أن تكتفي بالدور التقليدي..
اختارت ـ حسب سلطتها ـ أن تصبح أشبه بـ (كتاب سيدنا) والوصف للكاتب الراحل لطفي الخولي، تعليقا على أزمة ترقية نصر أبو زيد، وهي الأزمة التي انتهت بهجرة نصر إلى هولندا في رحلة منفى ثقافي، لم تنته إلا مع رحيله، وسحب كتبه من مكتبات الجامعة.. باختصار أصبح شعار الجامعة بعد هذه الأزمة «ممنوع التفكير»... وليس في الأمر مبالغة.. لكن كيف وصلت الجامعة هذه الحالة من الانهيار الثقافي والفكر؟ ولماذا حسم الصراع بين الجامع والجامعة لمصلحة «الجامع» في كل المعارك الثقافية والفكرية؟ للإجابة على هذه الأسئلة نعود إلى الوراء قليلا.. تحديدا منتصف الثلاثينيات. فقد صدمت قواعد القبول في كلية الآداب عميدها الجديد طه حسين. الزمن منتصف ثلاثينيات القرن الماضي: كان ممنوعا دخول «الأقباط» قسم اللغة العربية، وممنوعا أيضا قبول الفتيات إلا إذا توفرت أماكن بعد قبول كل الطلبة المتقدمين من الذكور. كان قرار طه حسين وقتها توحيد قواعد القبول بناء على مجموع الدرجات لا بناء على الدين أو الجنس. احتج كثيرون على قرارات العميد، الذي أصر عليها، وفي إطار المعارك السياسية كان محسوبا على حزب الوفد، هاجمه بضراوة طلاب الكليات الأخرى، خاصة طلاب الحقوق، الذين سبوه ونعتوه بالأعمى، والوفدي الكافر.. وقرروا مهاجمة الكلية للاعتداء عليه، وإخراج الفتيات اللاتي تم قبولهن. يحكي الطالب في الجامعة وقتها لويس عوض أن العميد جمع طلاب الكلية في المدرج 74، وخطب فيهم عن أهمية تعليم المرأة والمساواة. وأنهى خطبته بعبارة ظلت تتردد في آذان الطلاب: «اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا». وفعلا خرج طلاب كلية الآداب، لم يهجموا على طلاب الحقوق المعارضين لقرارات العميد بل انتظروهم على حدود الكلية. ودارت معركة كبرى «أوسعناهم ضربا ورددناهم على أعقابهم في فلول مهلهلة».. انتصرت أفكار العميد ضد الرجعية، ولكن لأننا في الزمن الدائري عادت الرجعية أشد وأقسى، بعد عامين على تلك الواقعة هاجم بعض الطلاب العميد في مكتبه واعتدوا عليه... وأخذت تتسع الدوائر لنصل إلى معركة نصر أبو زيد. هذه المعركة كانت نقطة تحول في تاريخنا الحديث، حلم الجامعة والحداثة والتفكير بلا قيود يتحول إلى إعلان رمزي بموت هذه الأفكار... وتتحول الجامعة نفسها إلى «كُتَّاب سيدنا» والتعبير للراحل لطفي الخولي في تعليقه على أزمة أبو زيد. أن تصبح الجامعة محكمة تفتيش بدلا من أن تفتح أبوابها للأفكار الجديدة والتفكير بلا قيود!
حكاية نصر أبو زيد
حكاية نصر أبو زيد معروفة. باحث، أراد الآخرون أن يفكر مثلهم، أن يكون شبيها لهم، ولكنه أفلت من كل المصائر التي أرادها له الآخرون. كان يمكن أن يكون شيخا أزهريا، كما أراد والده المعجب بالشيخ محمد عبده، ولكن مرض الوالد وإدراكه أن ابنه البكر ينبغي أن يعول الأسرة منعاه من الالتحاق بالأزهر. وكان يمكن أن يستمر موظفا صغيرا مهمته إصلاح «أجهزة اللاسلكي» بعد أن تخرَّج في «معهد فني لاسلكي»… ولكن طموحات الشاب كانت أكبر من أن يتم استيعابها؛ قرر أن يعمل ليعول أسرته، وأن يواصل دراسته الثانوية في المدارس الليلية وينتسب إلي الجامعة تحديدا كلية الآداب. كان يمكن أن يكتفي بما حصله من التعليم، ويعمل مدرسا في أيه مدرسة، ولكن حارب من أجل أن يعمل معيدا في الجامعة بعد اعتراضات عديدة من الأساتذة، ولكنه دافع عن تفوقه وحقه في أن يصبح «أكاديميا».
كان يمكن ـ بعد تعيينه في كلية الآداب ـ أن يكون مثل آلاف الأساتذة، يملي على طلابه ما يقرأ في كتب الآخرين، ويطبع المذكَّرات ويبيعها لهم. لكنَّ نصر اختار أن يفكِّر خارج السرب، ويتجاوز خطوطا حمرا، وضعها بعض المتزمِّتين والظلاميّين الذين لا يسمحون لأحد بتهديد سلطتهم ومكتسباتهم. أصبح باحثا مهتما بفهم الظاهرة الدينية في تاريخيّتها لا أكثر... يطرح أسئلة لا يقدم إجابات. عندما قدم أبحاثه عن المناهج الجديدة في تفسير القرآن، اصطاده قناصة التكفير، واتهموه بأنه مرتد، وأقاموا دعوة للتفريق بينه وبين زوجته د. ابتهال يونس مُدَرِّسَة الأدب الفرنسي في «جامعة القاهرة». هكذا بدأت مأساة أبو زيد... باحث ليس لديه إجابات جاهزة ومعلبة لكل شيء، بل أسئلة «لن تهدم الدين ولم تخرج عن حدود الإيمان». حين طرح أبو زيد تلك الأسئلة في أبحاثه التي قدمها للترقي في الجامعة، رأى بعض أساتذة «الجامعة»، على رأسهم عبدالصبور شاهين (خريج الأزهر- وعضو الحزب الوطني الحاكم وقتها) أن طرد أبو زيد من الجامعة بمثابة «انحسار للعلمانية في الجامعة». من هنا، سارع إلى كتابة تقرير ساخن يرفض فيه الترقية، ويتهم أبو زيد بالكفر. وبدأ يهاجمه في خطب الجمعة. باختصار، وجد صاحب «نقد الخطاب الديني» نفسه مطلوبا وكان أمامه خياران: أن يذهب إلى المحكمة ويعلن تراجعه عن أبحاثه التي أثارت الجدل وينعم بالتالي بحماية المؤسسة الدينية. أو يرمي نفسه في أحضان المؤسسة السياسية التي تريد أن تستخدمه في معركتها ضد تيارات التأسلم. كلا الحلين كانا سيضمنان له الحماية التي افتقدها بعد تكفيره.. وكلاهما أيضا كانا اعترافا منه بالهزيمة أمام محتكري الحقيقة المطلقة والسلطة المطلقة. اختار نصر حلا خاصا به لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وسط هذا المناخ القاتل لخلايا التفكير، حمل حقائبه واتجه إلى هولندا استجابةً لدعوة من «جامعة ليدن». واستمرت رحلة «المنفى الثقافي» أكثر من 15 عاما لم يزر فيها مصر إلا نادرا، وعاد في النهاية ليموت على أرضها ويدفن منذ خمس سنوات. فيها قصة نصر تلخص وضع التفكير في الجامعات المصرية، وتلخص أيضا ما يمكن دراسته.
ظل ممنوعا أي من الطلاب صلاح عبد الصبور أو جيله، أو جيل الستينيات في الرواية، في أي أطروحة جامعــية، باعــتبار ان هـــؤلاء جيل شاب، رغم انهم اقتربوا وقتــها من الستين. الآن ممنوع دراسة قصيــدة النــثر أو شــعر العامــية. باستثناء الجامعات الأجنبية القلــيلة التي تسمح بالتفكير.. وبعض الأساتذة «الأفراد» في الجامعات المصرية.. فلا فائدة في الجامعة... ربما كان سعد زغلول سيصرخ بهذه الجملة مرات ومرات!
محمد شعير
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال