عداء العرب لمَن؟

عندما بزغ فجر القرن العشرين، كان العدو الأساسي الجاثم على صدر الحركة العربية الحديثة هو نير السلطنة العثمانية، مع اشتداد تيار التتريك في أعلى الأجهزة الحاكمة فيها.
وقد أدّى عدم الوضوح الكامل للأفق السياسي، إلى اعتبار تيارات من الحركة القومية العربية أن بمقدورها الاعتماد على القوى الغربية، الطامعة بوراثة الامبراطورية العثمانية، مع أن الاستعمار البريطاني كان قد أعلن عن نياته في المشرق العربي، وخاصة في مصر (1882)، فيما أعلن الفرنسي عن نياته في المغرب العربي.
وما إن شارفت الامبراطورية العثمانية على الانهيار في نهاية الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، حتى أفصحت الدول الغربية الاستعمارية (بريطانيا وفرنسا بالذات) عن نياتها المباشرة لوراثة الإمبراطورية بوثيقتين شهيرتين، دشّنتا وقائع التاريخ العربي المعاصر منذ بدايات القرن:
ـ اتفاقية سايكس ـ بيكو لتقاسم الوطن العربي بين فرنسا وبريطانيا.
ـ و «وعد بلفور»، لاقتطاع بقعة في قلب الوطن العربي بين مغربه ومشرقه (فلسطين)، ومنحها إلى الحركة الصهيونية، شريكة التحالف الاستعماري الغربي، وهو الذي كان من شأنه أن يخلص التحالف من عقدة العنصرية الأوروبية ضد اليهود من جهة، ويقيم حاجزاً منيعاً غريباً في وسط الوطن العربي من جهة ثانية.
منذ تلك المرحلة، أصبحت خريطة الأعداء التاريخيين أمام العرب المعاصرين، تدعو الى مقارعة التخلف والتجزئة من جهة، ومقارعة الاستعمار الغربي مقارعة مباشرة من جهة ثانية، بعدما دخلت كل أقاليمه من المحيط الى الخليج تحت نير الاستعمارين المباشرين لكل من بريطانيا وفرنسا(وإيطاليا في ليبيا).
لكن مرحلة جديدة ولدت في منتصف القرن العشرين، مع قرب انهيار النفوذ الامبراطوري لكل من فرنسا وبريطانيا في مياه قناة السويس، وقرب جلاء الاستعمار الغربي المباشر عن الدول العربية، واحدة بعد الأخرى، فأعيد تشكيل خريطة الأعداء التاريخيين امام الحركة العربية الحديثة:
ـ النفوذ الاستعماري الأميركي الجديد، الزاحف لوراثة نفوذ الاستعمار القديم في المنطقة العربية بأسرها.
ـ اسرائيل، التي اصبحت تمثل زواجاً غير شرعي بين بقايا النفوذ الاستعماري القديم في المنطقة العربية، وإطلالة الاستعمار الجديد عليها.
الى جانب هذه الخريطة الجديدة للأعداء، راح العرب يتخبّطون في محاولات، كثيراً ما تفشل، وقليلاً ما تنجح، في محاربة العدوين التاريخيين الثابتين: التخلف والتجزئة.
ومع أن حرب 1967، جاءت لتكمل المشروع الصهيوني في التسلط على كامل التراب الفلسطيني، فإن خللاً تاريخياً في سدّة الحكم في أكبر الأقطار العربية، أي مصر، أدى الى أن يتحول الإنجاز العسكري العربي في حرب 1973، من كونه رداً على عدوان 1967، الى مقدمة لإسقاط إسرائيل من خريطة العداء التاريخي للعرب، والاستسلام لنتائج حربي 1948 و1967.
لكننا، ومع تفاقم التراجع العربي التاريخي في كل من سوريا والعراق واليمن، المهدّدة كلها بأخطار التقسيم، نشعر بما هو أفدح من استسلام انظمة الحكم العربية الرسمية للمشروع الصهيوني في فلسطين. فقد بدأت تظهر في بعض البيئات الشعبية العربية، ظواهر تكاد تسقط حالة العداء التاريخي للحركة الصهيونية، وتسقط بالتالي العداء العربي التاريخي لإسرائيل، ومعها كل أساسيات وثوابت القضية الفلسطينية.
هل هذا وضع نهائي أو مرشح للتفاقم مع سيل التراجعات العربية؟
الأمل ما زال معقوداً على صحوة تاريخية للشعوب العربية، تستعيد فيها خريطة واضحة لأعدائها الثابتين.
الياس سحاب 
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال