فقهاء الاٍرهاب ونشر ثقافة الكراهية

التطرّف موجود في كل العقائد السياسية والأديان فنجد في السياسة اليمين المحافظ المتطرف والذي يريد المحافظة على الموروث والتقاليد ونجد ايضا اليسار المتطرف والذي يريد التخلص من الموروث والتقاليد وخلق تقاليد جديدة وافكار جديدة، وفي الدين نجد يهود الشرق الأرثودكس المتطرفين والمتمسكين بالتقاليد اليهودية في المأكل والملبس والمشرب ونجد ايضا يهود الغرب الأكثر تحررا وانفتاحا ولا يلتزمون بالتقاليد اليهودية العتيقة، وفي المسيحية نجد ان المسيحي الأرثودكس اكثر تطرفا وتمسكا من الكاثوليكي وتجد ان الكاثوليكي اكثر تحررا من الأرثودكسي كما ان البروتستانت اكثر تحررا من الكاثوليك وهكذا وفي الاسلام تجد ان المذهب الحنبلي اكثر تشددا من المذهب الحنفي ، حتى ان المثل في مصر يقول: "يا اخي ما تبقاش حنبلي قوي كده" بمعنى لا تصبح متشددا مثل مذهب ابن حَنْبَل، ومفهوم التطرّف ممكن ان يتغير مع الزمان والمكان، فاليساري المتطرف اليوم قد يصبح غدا في نظر احفاده رجعيا ويمينيا والمسلم الليبرالي المتحرر لو هاجر الى السويد لوجد نفسه اصبح محافظا تقليديا، كما ان مسلمي السعودية وباكستان وافغانستان اكثر تشددا من مسلمي تونس وماليزيا وإندونيسيا كما ان أرثودكس مصر اكثر تشددا من أرثودكس اليونان وروسيا، وهكذا.
وكلما تطورت وتحضرت الشعوب أصبحت اكثر قابلية للتعايش مع بعضها البعض برغم الاختلافات العقائدية والسياسية والدينية، وهذا اول مباديء الليبرالية والحريّة والديموقراطية، فهو ببساطة مبدأ "انت حر ... ما لم تضر" ففي امريكا تجد اليمين المحافظ ممثلا في الحزب الجمهوري كما تجد اليسار الليبرالي ممثلا في الحزب الديموقراطي، والكل متعايش والشعب الامريكي مرة ينتخب الرئيس من الحزب الجمهوري فيقبله الجميع حتى انتهاء فترة رئاسته او من الحزب الديموقراطي لا فرق، وأقصى ما يمكن عمله للرئيس في حالة الخطا الجسيم او المرض الشديد هو محاولة خلعه بالطرق الدستورية مثلما حاولوا مع الرئيس بيل كلينتون او استقالته مثلما حدث مع الرئيس ريتشارد نيكسون، وكل هذا يتم بطريقة سلمية....
اما الاسلام المتطرف فهذا حكايته حكاية، فهو لا يقبل بالشراكة ولا يقبل بالتعايش، فان لم تكن معي فأنت عدوي ويجب التخلص منك.
وفقهاء الاٍرهاب كانوا دائماً وأبدا موجودين في التاريخ الاسلامي ولهم كتبهم المعروفة، وأبرزهم بالطبع ابن تيمية وله كتاب "مجمع فتاوي ابن تيمية" ويقع في ٢٧ مجلدا وتأثر بالمذهب الحنبلي المتشدد ولقبوه ب "شيخ الاسلام" ابن تيمية ولقد بحثت وبحثت فلم اجد من أعطاه هذا اللقب العظيم "شيخ الاسلام" وعلى اي الأحوال فقد عرف عن ابن تيمية بتشدده في اجتهاداته وأصبحت فتاوى ابن تيمية هي الأساس الذي يبني عليه اصحاب المذهب الوهابي المتشدد فتاويهم في العصر الحديث وذلك بالقياس على الفتاوى المتشددة لابن تيمية...
والشيء بالشيء يذكر، فهناك الحادثة المشهورة في التاريخ الاسلامي عند الخلاف الشهير او الفتنة الكبرى بين على بن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان على الخلافة، طالب اتباع علي بالاحتكام الى القران، ولما أبدى اتباع معاوية اعتراضهم على تحكيم القران خوفا ان يجيء في صالح علي، طمأنهم عمرو بن العاص والمعروف بدهائه (والمنحاز الى معاوية) وقال قولته المشهورة: دعوهم يحتكمون للقران، "فانه حمال أوجه" (بمعنى انه يمكن تفسيره على هواه وعلى مصلحته)،
وهذه هي احد المشاكل الاساسية في الاجتهاد الاسلامي فكل واحد يمكن ان يكون متطرفا الى أقصى اليمين والتشدد ويمكن ان يكون متساهلا بلا حدود:
 "ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك"
"من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"
 "قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدين ما اعبد"
  "لكم دينكم ولي ديني"
ومن جهة اخرى تجد:
"فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ "
." قَاتِلُواالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ"..
 "وقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة"
وفقهاء الرهاب يستخدمون تفسير بعض الآيات والاحاديث (بالذات) على هواهم بنفس الطريقة التي استخدمها عمرو بن العاص ، وذلك ارضاء لأنفسهم المريضة والتي ترفض التعايش تماما والتي تنشر ثقافة الكراهية ، تلك الكراهية ليست فقط ضد من يخالفهم في الدين وليس ضد من يخالفهم في المذهب ولكن ينشرون ثقافة الكراهية ضد كل العالم، ويعتبرون ان العالم كله يتامر لهدم الدين الاسلامي بمفهومهم المتطرف كما وضع أسسه "شيخ الاسلام" ابن تيمية والذي كان يتهم كل الناس بالكفر اذا خرجوا عن المذهب الذي خطه لهم بناء على المذهب الحنبلي.
وثقافة الكراهية تلك هي التي تدفع شابا مسكينا مغررا بِه لان يقوم بتفجير نفسه في مسجد اثناء صلاة الجمعة اعتقادا منه انه بهذا يقدم خدمة للإسلام وانه سيذهب شهيدا وسوف يبعث مع القديسين والشهداء، وبالطبع فقهاء الاٍرهاب لا يذهبون بأنفسهم لتفجير أنفسهم او حتى يرسلوا أبناءهم ولكن يرسلون ابناء الناس الغلابة ويستخدمون فتاوى ابن تيمية وغيره من شيوخ الاسلام لبث ثقافة الكراهية في نفوس هذا الجيل المسكين والذي فشل في ان يحصل على اي تعليم حديث متطور فأصبح فريسة وخامة طيبة في أيدي فقهاء الاٍرهاب فيحركونهم مثلما تتحرك الروبوتات الفاقدة الإرادة..
والمسلمون اليوم امام مفترق طرق حاسم في تاريخهم:
اولا: اما ان نصبح كلنا داعش ونعلن الحرب على العالم كله، وربنا يسهل ويعطينا القدرة على غزو العالم كله.
ثانيا: ان نقبل بالتعايش مع كل العالم على اختلاف مذاهبه ودياناته وأجناسه بدون تعالى وبدون عنف، ونعمل مع العالم كله على طريقة :"لكم دينكم ولي ديني".
سامي البحيري/ايلاف
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال