ظاهرة "داعش" نتاج طبيعي لفكر مريض

دوّى منذ مدة ما يسمى "بظاهرة الدولة الإسلامية في العراق والشام، أو داعش"، التي لم تعد تنحسر في حدود العراق والشام بل تجاوزتها مثل ما ينتشر الورم السرطاني لتصيب أجزاء أخرى من جسد البلاد العربية الذي هو المريض أصلا منذ قرون طويلة. صاحَبَ هذا الدويّ الصاخب المسلف ذكره مساجلات ومناقشات تحاول تحليل أسباب وعوامل ظهور هذه الظاهرة واستفحال شرها.
دعاة نظرية المؤامرة يعتقدون – مما لا يدعو للعجب – أنها صناعة أمريكية وغربية محضة لزيادة مرض العرب والمسلمين وإفساد شأنهم الذي هو أصلا في فساد. يدّعون هذا وكأن لا شغل للغرب ولا اشتغال الا حياكة خيوط المؤامرات للعرب – الذين لا يزنون مثقال ذرة في العالم المعاصر – وكأن العرب هم الإتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة أو ألمانيا بعيد الحرب العالمية الأولى. هذا الإعتقاد المفتقر للموضوعية، هو في نظري لا يعدو كونه -كما يعبر عنه فرويد في نظرية التحليل النفسي- هذيان جماعي أو هلوسات جماعية يعاني منها بعض العرب خاصة والمسلمين عامة، وهو أشبه ما يكون بالهلوسات التي تصيب من يعاني من أمراض نفسية كالفصام أو الذهان الذي تصاحبه هلوسات اضطهاد توحي للمريض أنه مركز العالم والكل يتآمر لتدميره. والإيمان بنظرية المؤامرة ضد العرب والمسلمين في قرننا الواحد والعشرين يشكل كارثة فكرية تدعو للأسى والتحسر ويشكل إنسلاخا للمؤمنين بها عن الواقع الذي الذي نعيشه وعن ما يحصل في عالمنا اليوم و تأخرا فكريا يقدر بعديد القرون حيث لم تصح نظرية المؤامرة الا في عهد الحروب الصليبية هذا إن صحت أصلا.
إن الحقيقة المؤلمة أن المسلمين عامة والعرب خصوصا لا يشكلون أي تهديد للغرب يدفعهم للتآمر عليه. ولا ضرورة لأن نذكر بأن ازدهار المسلمين الحضاري والفكري وقوتهم العسكرية انحسرت وانعدمت منذ قرون عدة. العرب اليوم لا يشكلون التهديد الذي كان يشكله الاتحاد السوفييتي منذ نهاية الحرب العالمية الى حين انهياره. ولو كانت نظرية المؤامرة يمكن أن تصح لتآمر الغرب على الصين ، تلك المعجزة الإقتصادية والمارد العملاق الذي تفوق اقتصاديا على الدول الغربية جميعا ليحل في المرتبة الثانية اقتصاديا بعد الولايات المتحدة مع توقعات ليتصدر العالم كله بعد بعض السنوات. إن العرب اليوم لا يساوون في موازين القوى العالمية حبة خردل، ولو كانو يساوون شيئا لفعلو شيئا من أجل فلسطين التي يعتبرونها قضيتهم المركزية. لا داعي للإطناب في وصف الحالة العربية المزرية فالجميع يعرفها. 
إذا تركنا جانبا نظرية المؤامرة التي تبدو مفلسة فكريا وحجاجيا فكيف نفسر ظهور ظواهر كداعش الذي تذيق العراق والشام ويلات أشد من ويلات المغول والتتار في القرون الوسطى. وكيف نفسر ظهور إرهابيين يعيشون في ظل البلدان الغربية ويتمتعون بالحماية والتغطية الإجتماعية ثم يطعنون تلك البلدان الأوروبية في الظهر بكل خسة ويلحقون بنا نحن العرب - مسلمين كنا أو غير مسلمين – وصمة عار ولعنة تلاحقنا أينما حللنا. 
إن الواقع الأليم الذي يجب مواجهته أن "داعش" وغيرها من الجماعات الإرهابية هي نتاج للوضع الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي والإنحدار الذي يسير فيه منذ قرون إلى أن بلغ الحضيض. وهذا الإنحدار ليس اقتصاديا واجتماعيا فحسب بل فكريا. فالإرهاب نتاج طبيعي للضعف وسلاح كل من لا يستطيع المواجهة المباشرة الحقيقية. إن انتشار فكر تكفيري جهادي مثل فكر عبد الله عزام وأبو محمد المقدسي وغيرهم يدعو للتساؤل. لماذا لم يتذكر غلاة السلفية الجهادية من الفكر الإسلامي الثري المتنوع الا فكر بن تيمية في حين نسي هؤلاء فكر بن رشد وابن سينا على سبيل المثال. إن معرفتي بهذه الفئة من الناس الذين تحاورت مع بعضهم تسمح لي بإلقاء الضوء على خطورة هذا الفكر. إن الواحد من هذه الفئة يتجرّأ على نقد الحسن والحسين وعلي بن أبي طالب ولا يتجرّأ على نقد بن تيمية. مجرد التفكير بهذه الطريقة يدل على أن هذا الفكر المنبثق عنه الإرهاب لا يعدو كونه نتاج للضعف والإحباط الفكري الذي وصلت إليه فئة من الأمة يدفعها إلى الإرتماء في أحضان الفكر الجهادي الذي غالبا ما يكون تكفيريا لأن فيه اشباعا لأحاسيسهم المتأثرة تأثرا مرضيا بواقعهم المتردي. وكما يقول القانون الثالث لنيوتن فإن لك فعل رد فعل مساو له في المقدار و مساو له في الإتجاه. 
إن القارئ والمتفكر في فكر بن تيمية يعلم أن بن تيمية كفر تقريبا الناس كلهم جميعا بمفكريهم و بسطائهم و علمائهم وجهالهم. مثال على ذلك ابن تيمية يكفر " من استحلّ الحكم بغير ما أنزل الله". وما أنزل الله هو كما نعلم جميعا قطع يد السارق وجلد شارب الخمر وما إلى ذلك. والمعلوم أن اليوم لا بلاد تحكم بهذا باستثناء السعودية التي هي بدورها لا تطبقها كما أنزل الله حرفيا. وهكذا فـ"شيخ الإسلام" كما يسميه البعض يكفر الجميع. ولا يكفرهم لهذا السبب فقط فهو مثلا يكفر الفلاسفة. فمثلا بن سينا وبن رشد والفارابي الذين ما انفكوا يجمعون الحجج لدعم الإسلام والنبوة هم كفار بدورهم أيضا. كما يكفر أيضا اتباع مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية فما بالك بشيعة اليوم فهم عنده أشد كفرا وفجورا. كما يكفر أيضا الباطنية المتصوفة والقائلين بوحدة الوجود. ومن المثير للسخرية أنه يكفر من استحلّ قتل امرئ مسلم فهو بالتالي يكفر داعش نفسها. و ربما أفهم أيضا أنه يكفر عليا وعائشة وطلحة والزبير والكثير من الصحابة الذين قتل بعضهم بعضا في الفتنة الكبرى. 
إن انتشار فكر كفكر بن تيمية في عصر يقدس حقوق الإنسان كارثة فكرية عظيمة تهز العالم العربي. إن فكره وفكر غيره من دعاة التكفير والجهاد والسلفية هو مصيبة لكن قراءته وانتشاره في فئة واسعة من الناس مصيبة أكبر. ذلك لأن الفكر الإسلامي ثري فيه الفلاسفة والمعتزلة والملحدون والزهاد والماجنون وجميع الأطياف. والمشكلة الأكبر تمسك قوم بإقامة دولة اسلامية لم تقم على الإطلاق في التاريخ الإسلامي. الدولة الإسلامية لم تكن كذلك الا في عصر الرسول والخلفاء الراشدين ولم تخل من فتن وقتل وذبح. عمر بن الخطاب مات مطعونا، عثمان مات بالسيف ميتتة شنيعة من أحد "المسلمين"، قتل علي بعده أيضا مطعونا من أحد "المسلمين"، قتل بعده الحسن مسموما، والحسين مذبوحا –كما تذبح داعش الناس اليوم - ، ثم استولى معاوية على الحكم وجعله في ذريته ولا لم يكن من هم لبني أمية ولا للعباسيين من بعدهم في تطبيق شريعة ولا في إقامة حدود الله، همهم الوحيد البقاء في السلطة.
إن معرفة بسيطة بالتاريخ تدل على أن أي تفكير ودعوة لقيام دولة اسلامية هي محض عبث لأنها مستحيلة التحقق. إن هذا الإفلاس الفكري الذين يعاني منه السلفيون و خصوصا منهم الجهاديون والتكفيريون يلقي بظلاله على العالم العربي كله ويجب مقاومة هذا المد التكفيري الذي لا أبرء منه دعاة الوهابية في المشرق العربي فهم يتحملون جانبا كبيرا من المسؤولية في هذه الأمراض النفسية التي تصيب الفكر العربي والتي لم تعد منحسرة في المشرق بل امتدت لتغزو جميع السنة من المسلمين خاصة المغرب العربي. هذا الغزو السلفي شجعته أرضية خصبة تتمثل في شعب جاهل قليل القراءة ضئيل الثقافة و بالتالي سريع التأثر بأي كلام يداعب مشاعره الدينية. هذا الغزو أيضا مدعوم بكون المجتمعات العربية والإسلامية ذات وازع ديني قوي يغلب على الوازع العقلاني شأنها في هذا شأن جميع الشعوب المتخلفة فكريا وثقافيا للأسف. هذا ناهيك عن أن المواطن العربي لا يقرأ الا قليلا. 
فوفقا لتقرير اليونسكو فإن أعلى نسبة للأمية تتواجد في الوطن العربي. والقراءة تأتي في المرتبة الأخيرة بالنسبة لاهتمامات المواطن العربي. فبلغ معدل القراءة عند الفرد في الوطن العربي 6 دقائق سنويا مقابل 200 ساعة للفرد في أوروبا وأمريكا و أمريكا. كما أن عدد الكتب في العالم العربي كله تبلغ 5000 كتاب مقابل 35000 في اليابان. فيا ويحي ويا أسفي. 
إن جولة صغيرة في مكتباتنا العربية تدعم نظريتي هذه فما عليك الا الدخول لمكتبة لبيع الكتب وسترى الفقر الذي تعاني منه وأن أغلب الكتب دينية. ومن خلال متابعتنا لأخبار معارض الكتاب في الدول العربية، فإن ترتيب الكتب الأكثر مبيعاً هي التالي الكتب الدينية، كتب الطبخ، كتب الأبراج. فيا حسرتا على عصر كان فيه العرب يصنفون الكتب في الطب والفلسفة والفلك والرياضيات، ذلك عصر ولى أرى بشائر عودته في الأفق. 
محمد حسام الدين العوادي
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال