حوارات - توزيع الثروة الوطنية أساس الاقتصاد العادل

لن تعود دول الثورات إلى مبدأ "الأمن مقابل الخبز"... هذا ما يؤكد عليه اﻟﻤﺴﺘﺸﺎر اﻹﻗﻠﻴﻤﻲ ﻓﻲ اﻟﻠﺠﻨﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ واﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻟﻐﺮب ﺁﺳﻴﺎ، الباحث اللبناني أديب نعمة، الذي يتحدث عن الدولة الغنائمية وربطها بالربيع العربي، وهي القضية التي خصص لها صفحات كتابه الأخير.
• أصدرتَ أخيراً كتاباً بعنوان "الدولة الغنائمية والربيع العربي"، فهل تعتبر ‏أن الدولة الغنائمية أقوى ‏من ثورات الربيع العربي؟ 
‏-‏ مصطلح "الغنائمية" هو الترجمة العربية التي صاغها الدكتور أحمد بيضون ‏منذ أكثر من 11 عاماً، لمصطلح الباتريمونيالية الذي استخدمه عالم الاجتماع ‏ماكس فيبر في توصيفه لشكل الدولة الإرثية. وفي شرح هذا المصطلح، أعود ‏الى عام 2011، حين ‏حضرت لقاء في تونس مع عدد من الشباب المشارك ‏في الثورة. خلال هذا اللقاء قمنا باستخدام ‏مصطلح "الدولة الغنائمية"، بحيث ‏أن الدول العربية كلها، سواء تلك التي شهدت ثورات أو تلك التي لم ‏تشهد ‏تحركات، ينطبق عليها هذا المصطلح. إذ إنه لا يمكننا اعتبار لبنان دولة ‏استبدادية، ولا ‏يمكن اعتبار كل الأنظمة العربية معادية للإمبريالية، ولا كلها ‏ديكتاتورية. وبالتالي كنا نبحث عن ‏صفة مشتركة بين هذه البلدان. رأينا أن ‏مفهوم الدولة الغنائمية يقوم بجوهره على أن جهاز الدولة ‏غير محايد، ‏والحاكم يستخدم هذا الجهاز كأنه ملك خاص لإعادة إنتاج السلطة. كما أن ‏جهاز ‏الدولة يقوم على دستور لا يُحترم وانتخابات لا تطبق القواعد ‏الانتخابية البديهية... ورأينا أن هذه ‏السمات مشتركة في غالبية الدول ‏العربية، ومشتركة كذلك بين عناصر الدولة والمجتمع ‏والاقتصاد. وكما ‏أشرح في الكتاب، فإن في الدولة الغنائمية "تضيع الحدود بين ‏الشخص ‏والمؤسسة، وبين العام والخاص، وبين الوظائف الإدارية والسياسية ‏للدولة، وبين الجمهور ‏والمملكة أو الإمارة، وبين التقليد والحديث".‏‎ ‎وقد تعزز استخدام مفهوم الدولة الغنائمية، في الاجتماعات واللقاءات التي ‏كانت تحاول تفسير ‏وقوع الثورات العربية وسبب الانتقال السريع للتحركات بين ‏الدول. ‏ 
• هل من تعارضٍ يمكن إيجاده بين التنمية والدولة الغنائمية؟ إذ إن الكثير ‏من المدافعين عن ‏الأنظمة يتحصنون بالدور التنموي لهذه الأنظمة.‏ 
‏-‏ حدة الغنائمية وشكلها مختلف بين دولة وأخرى. إذ توجد غنائمية شمولية ‏وأخرى ملكية... وما ‏كان يقال إنه يوجد دول بمستوى متقدم في التنمية يفتقد ‏إلى الدقة. فمن المعروف أنه قبيل ‏الثورات صدرت تقارير عن صندوق النقد ‏الدولي تطرقت إلى مؤشرات التنمية وبيئة الأعمال ‏والتنافسية في كل من ‏مصر وتونس. كما أشار تقرير التنمية البشرية إلى عدد من الدول التي ‏حققت ‏أفضل أداء في التنمية، وكانت ليبيا مذكورة من ضمن هذه الدول. ‏ 
فعلياً، المؤشرات العالمية لا تنقل الواقع المحلي، كونها تتحدث بالعموميات، ولا تتكلم ‏عن ‏المشكلات الفعلية الداخلية. لذلك تم تقييم وضع التنمية استناداً الى بعض ‏الحالات، ففي تونس تم ‏الارتكاز على رقم رسمي يشير إلى أن معدل الفقر 4%، ‏وقد صدرت هذه النسبة في دراسة ‏مشتركة عن البنك الدولي والإحصاء المركزي، ‏في حين أن دراسة صادرة عن صندوق الأمم ‏المتحدة الإنمائي وجامعة الدول ‏العربية، تطرقت إلى الفقر في سبع دول عربية، وتبين أن معدل ‏الفقر في تونس ‏‏24 %. لا بل إن مؤشر البنك الدولي مخصص لكي يعطي نسباً منخفضة ‏في ‏معدلات الفقر، بحيث يتبين وفق البنك أن المنطقة العربية هي الأقل فقراً في ‏العالم. ‏الحقيقة أن الفارق في مستوى الحرمان بين المدن الساحلية والداخل ‏التونسي هو نحو عشرة ‏أضعاف، وهو الأعلى بين الدول العربية. ‏ 
وعندما أريد تقييم التنمية في تونس، لا أقيّمها بمستوى التعليم، وإنما بالبطالة التي ‏تصل إلى 45%. ‏وأقيمها عبر مؤشرات التفاوت الاجتماعي الصارخ. وهذا ينطبق ‏على كل الدول العربية حيث ‏يجري اجتزاء المؤشرات، ويتم إعطاء تقييم غير ‏صحيح. من هذه المؤشرات قياس الثروة العربية، ‏بحيث تشير التقارير الدولية إلى ‏أنها "ضخمة"، في حين أن مجموع الناتج المحلي لكل الدول ‏العربية، لا يناهز الناتج ‏المحلي الإسباني.‏ 
• هل تعتقد أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية هي التي حركت الثورات؟ ‏أم أن العوامل السياسية ‏وخنق الحريات هي الأساس؟ ‎‏ 
‏-‏ أسباب انطلاقة الثورة كانت سياسية في الأصل، لا اقتصادية بحتة. والسياسة ‏تضم المكون ‏الاقتصادي والاجتماعي. ولكن أساس الحراك هو مطلب الحرية ‏والكرامة، ومن ثم التفاوت ‏الاجتماعي في ما يتعلق بالأسس الاقتصادية للحراك ‏العربي.‏ 
في تونس مثلاً، كانت الشرارة مطلبية، ولها علاقة بفرص العمل والتشغيل. ولكن في ‏مصر كانت ‏الشرارة مقتل الناشط خالد سعيد تحت التعذيب. وفي ليبيا كانت ‏الشرارة معرفة مصير ضحايا ‏سجن بو سليم، وفي البحرين انطلق الحراك من ‏مطلب المشاركة السياسية وتحقيق العدالة. وفي سورية ‏كان أساس انطلاقة الثورة ‏سياسياً، وكذلك الحال في اليمن. هذا لا يعني أن المطلب الاجتماعي ‏لم يكن موجوداً، ‏ولكنّ ما أجج الثورة هو المطلب السياسي الذي تمثل بشعار "إسقاط النظام".‏ 
• هل هذا يعني أن تحقيق أهداف الثورات يتم عبر تلبية المطالب السياسية؟ ‏ 
‏-‏ الناس يعتبرون أن الاقتصاد منفصل عن السياسة. كلا، إن أركان التنمية في ‏كل مجتمع تتضمن ‏المكون الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي ‏والبيئي. ولا يوجد مكون أهم من الآخر. ولكن، ‏في حال كان الوضع ‏السياسي مستقراً، يتجه الناس للاهتمام بالأزمة الاقتصادية. وإن ‏كان ‏الاقتصاد مستقراً وتوجد أزمة سياسية، يحصل العكس. ولكن كل محاولة ‏حل لا تأخذ بالاعتبار ‏كل هذه المكونات مرشحة للفشل، وما يقوله شباب ‏الثورات في ما يتعلق بأولويات المطالب صحيح، ‏فقد تم تغيير النظام في ‏تونس، ولكن الشباب لا يزال عاطلاً من العمل، والحال نفسه في مصر، ‏ففي ‏حال بقي الحال كما هو، ستقوم ثورة أخرى ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي.‏ 
فالتغيير السياسي الداخلي ضروري ولكنه يحتاج إلى أجندة اقتصادية وثقافية.‏ 
• هل مصر على أبواب ثورة أخرى؟ 
-‏ الثورة في مصر تحصل عندما يتشابك أكثر من مطلب في السياسة ‏والاقتصاد والسيكولوجيا ‏والاجتماع. الديكتاتورية كانت موجودة أيام الرئيس ‏حسني مبارك ولم يتوقع أحد أن تنطلق ثورة ‏ضده، ولكنها انطلقت. عندما ‏جاء الرئيس محمد مرسي حصل استياء من الإخوان المسلمين في ما ‏يتعلق ‏بتعميم الأخونة، وتضررت مصالح مؤيدي مبارك، ولم يتغير على الفقراء أي ‏شيء، ولم ‏ينجح مرسي سوى بـ 51% من أصوات الذين شاركوا ‏في الانتخابات، وهؤلاء لا تتعدى نسبتهم ‏‏50 %. وحصلت تغذية لموجة الكره ‏هذه، وعاد إلى الواجهة اليوم مفهوم "الأمن مقابل الخبز". ولكن ‏لا توجد ‏إمكانية لاستمرار هذا المفهوم في مصر. إذ لا توجد مؤشرات لاعتماد ‏سياسات ‏اقتصادية واجتماعية جيدة، والتضييق على الحريات مستمر، ‏والناس تقاوم، والمقاومة أكثر ‏ضخامة مما يتم إبرازه حالياً في وسائل ‏الإعلام.‏ 
• كيف يمكن بناء استراتيجيات اقتصادية – اجتماعية عادلة في مرحلة ما ‏بعد الثورات؟ 
‏-‏ لا يمكن القيام بإصلاح اقتصادي حقيقي عبر خفض معدلات الفقر وإحداث ‏التنمية الاقتصادية ‏فحسب، إلا إذا تمت إعادة توزيع الثروة في المجتمع. إذ لا ‏يوجد مجتمع بلا ثروة، ولكن الأخيرة ‏موجودة في مكان والفقر في مكان آخر. في ‏العالم العربي، التوزيع الأولي للثروة ليس عادلاً، لا توجد ‏قاعدة عقلانية ‏تحدد الرواتب، إن كان في الحد الأقصى أو الأدنى. فالرواتب محددة ‏من قبل ‏أفراد يتحكمون أصلاً في الاقتصاد. ‏ 
لذا، على الدولة أن تعيد توزيع الثروة بما يخفض التفاوت الطبقي القائم. ويمكن ‏تحقيق ذلك عبر ‏سياسات ضريبية عادلة وسياسات حوافز ومساعدات إنتاجية، ‏وتأمين الخدمات العامة والضمان ‏الاجتماعي وغيره. ‏ 
• تقوم بعض الدول حالياً برفع الدعم عن السلع، هل تعتقد أن إجراءات كهذه ‏تخفف الأزمات الاقتصادية أم تزيدها حدة؟ 
- يقولون إنه يوجد فساد في الدعم، وإنه لا يتوجه إلى الفقراء، وإنه يهدر الأموال ‏العامة، ولكن حين يتم رفع الدعم يكون الفقير هو المتضرر الأول. إذ إن فكرة ‏الدعم جاءت من الفارق الكبير بين تكاليف الحياة ومداخيل الناس، وبالتالي يتم ‏تعويض الفارق ‏إمّا عبر خفض الأسعار أو رفع المداخيل أو دعم بعض السلع ‏الأساسية. وفعلياً، نسبة الـ 10% من الدعم التي تصل إلى الفقير تؤثر على حياته.‏‎ ‎ 
صندوق النقد الدولي يطالب برفع الدعم، إلا أنه لا ينظر إلى سبب وجود الدعم ‏أصلاً، أي إلى الفجوة ما بين الأجور والأسعار. وفي الأساس، نظرية رفع الدعم ‏مرتبطة مباشرة بمصالح صندوق النقد والبنك الدوليين. إذ إن ارتفاع حجم الدين ‏يمنع الدول من الاستدانة من الصندوق، وما يهم هاتان الجهتان هو تأهيل الدول ‏للاقتراض بعد تحقيق التوازن المالي فيها.‏‎ ‎  ‎‏ 
• بعد صعود نجم "داعش" عاد الربط ما بين الفقر والتطرف، كيف يمكن ‏الرد على هذا الربط؟ 
‏-‏ لا توجد نظرية ثابتة حول هذا الموضوع. إذ إن العنف يخلق الفقر في العديد ‏من الحالات. فما يحدث في طرابلس (شمالي لبنان) من عنف مستمر منذ 34 ‏عاماً، لم يكن نتيجة فقر، وإنما لأسباب سياسية وحزبية وغيرها. وهذه ‏الاشتباكات المستمرة دمرت الأسواق والاقتصاد المحلي، وأدت إلى انتشار ‏الفقر. طرابلس الآن تضم التطرف، فهل كان سببه الفقر أو العنف؟‎ ‎ 
ليس الفقر ‏مؤشراً لقياس نمو التطرف، وانما الإحساس بالتمييز، هو ما يخلق مناخاً ‏مؤاتياً للمنظمات التي تعمل على تنمية التطرف‎.‎ 
في سورية بدأت الثورة من الأرياف، ولم يكن هناك "داعش" وإنما مواطنون ‏والقاشوش ‏وغيره. التطرف انتشر بشكل مقصود بعد إخراج النظام زعماء ‏المجموعات المتطرفة من السجون السورية. وبعد توليد الفقر والتهميش، جاءت ‏‏"داعش" بأموالها وتقصدت استغلال حالة الحرمان. إذ إن توليد التطرف هو عمل ‏ممنهج وليس تلقائياً‎ .‎ 
• هل يعدّ اعتماد الدول الخليجية على النفط ثغرة قد تتوسع وتحدث أزمات ‏اجتماعية؟ 
النفط في الخليج لن ينضب قريباً، والاقتصاد الخليجي لا يتطور بطريقة بسيطة. إذ ‏توجد استثمارات في ‏مجالات مختلفة، وتوجد خدمات ومصارف وقطاعات ‏تكنولوجية. الخليج ليس فقط برميل نفط. ‏مشاكل الخليج الأساسية أن نمط النمو ‏والعمران مبالغ فيه، ولا حاجة إليه. وهذا النمط التوسعي ‏والعمالة الوافدة الكبيرة لا ‏يوجد لها أي مبرّر اقتصادي. يوجد افتعال في ما يتعلق بعدد الأبراج ‏ومباني ‏الشركات الضخمة. وفي الواقع، هذا الافتعال ناتج من محاولة لتقديم الخليج كجزء ‏من الاقتصاد العالمي، وليس ‏لحاجة المجتمع الخليجي ذاته إلى هذه المشاريع. وواحد ‏من تجليات هذا الافتعال ارتفاع كلفة المعيشة على الناس. إذ إن خفض 50% من ‏هذه المشاريع لن يلحق أي ضرر بالاقتصاد، ولكنه سيحسن معيشة المواطنين.‏‎ ‎ 
المشكلة الثانية تتمثل بنمط الدولة الأبوية التي تقوم على التوزيع غير قابل ‏للاستدامة. فالسياسة التوزيعية لا يمكن ‏أن تستمر وتوجد حاجة لتغيير راديكالي. ‏اليوم، ثمة محاولة لتخفيف هذه السياسة، ولكن الحاجة الحالية هي دفع ‏المواطن ‏الخليجي نحو الإنتاج.‏‎ ‎ 
أما المشكة الثالثة في الاقتصاد الخليجي فهي التبعية الشديدة للاقتصاد العالمي، ‏وبالتالي أي ضربة في ‏الاقتصاد العالمي تؤثر على اقتصادات الدول الخليجية.‏ 
 رشا أبو زكي/alaraby.co.uk

Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال