لا تقتل عصفوراً ساخراً.. رواية وحيدة عمرها 55 عاماً

في لحظة سحرية ملهمة منذ أكثر من خمسين عاماً، بدأت موظفة مكتب الحجوزات السابقة كتابة روايتها الوحيدة، تلك الرواية التي ستصبح فور صدورها أكثر الكتب مبيعاً.
الرواية الفائزة بالبوليترز عام 1961، إحدى علامات الأدب الأميركي الحديث.. ثم تتحول الرواية إلي فيلم من أهم الأفلام العالمية، يحصل على أوسكار أحسن سيناريو مأخوذ عن عمل أدبي وأحسن ممثل دور أول، ومازال يحتل مركزاً متقدماً في قائمة موقع imdb.
«لا تقتل عصفوراً ساخراً» رواية نيللي هاربر لي، الوحيدة في مشوارها الأدبي الذي بدأ عام 1959، عمل واحد فقط كان أكثر من كافياً لتحصل هاربر لي على جائزة الميدالية الرئاسية للحرية عام 2007 عن مجمل مسيرتها الأدبية.
ومنذ أشهر قليلة بدأ طرح الرواية إلكترونيا، ليتلقى القراء رواية هاربر لي، المعتمدة على أحداث طفولتها بالحماس والحفاوة نفسهما، ليدخل الكتاب قائمة الكتب الأكثر مبيعاً بعد أكثر من نصف قرن من إصدار طبعته الورقية الأولى.
رواية عن التمييز العنصري في أميركا في مطلع القرن الماضي، هكذا يقدّم بعضهم «لا تقتل عصفوراً ساخراً»، لكن حقيقة الأمر، أن قضية العنصرية تحتل الجزء الثاني من الرواية التي تبدأ على لسان الراوية «سكاوت» الطفلة الصغيرة، لتنقلنا إلى فترة زمنية بعيدة عنا نعيش في مجتمعها ومجتمع قريتها، نستعيد فترة طفولتنا من خلال حكاياتها الساخرة و المريرة أحياناً، لا يمكن أن تصادف مثل هذا الألم الساخر كثيراً، الأمر يحتاج إلى كاتب يكتب معتمداً على روحه وقلبه قبل موهبته وقلمه.. تعيش «سكاوت» مع والدها المحامي «أتيكوس» بطل الرواية الأول، وأخيها «جيم» الذي يكبرها بسنوات، في مدينة مايكومب في ولاية آلاباما، خلال ثلاثينيات القرن العشرين، حيث تختلف التفاصيل الزمانية لكن يتشابه البشر والمجتمعات.
في مجتمع متناقض لا يهتم بقتل العصافير الساخرة أو المغردة، خاصة أنه لم يهتم لقتلها أحد، ولم يفتقدها أحد.
يحاول أتيكوس تنشئة أطفاله على العدل و المساواة وقيمة الحياة والحرية، في مجتمع يرى هتلر نازياً مجرماً لقتله اليهود، لكنه لا يرى ضرراً في قتل وإبعاد الملونين للون بشرتهم، لا لشيء آخر.
كيف يمكنك أن تكره هتلر إلى ذلك الحد، ثم تلتفت لتمارس بشاعاتك على أشخاص موجودين في موطنك بالذات؟
هكذا تسأل سكاوت والدها، عجباً من موقف معلمتها في المدرسة!
لكن القضية ليست التمييز العنصري ضد أصحاب البشرة الداكنة فقط، الأمر يمسنا جميعا بين سطور هاربر لي، قد نكتشف أننا قتلة بشكل أو بآخر.. قليلون من هم مثل أتيكوس الراغب في حماية العصافير المغردة، بل هو واحد منها، عندما يحاول المجتمع قتله لوقوفه إلى جوار توم ربنسون الملون، المتهم باغتصاب سيدة بيضاء، يصفه المجتمع «بمحب الزنوج»، فقط لأنه يقف إلى جوار العدالة..
إن القتل لا يحتاج إلى بندقية أو سلاح.. قد يصدر المجتمع حكماً بالإعدام على شخص ما دون أن يرتكب جرماً، كالجار المسكين «بو رادلي» الذي حكم عليه المجتمع بالسجن المؤبد في منزله لأنه متأخر عقلياً أو مريض نفسياً.
بو رادلي من أجمل الشخصيات في الرواية، وقد يبدو ذلك لتأثر هاربر لي بمرض والدتها النفسي الذي جعلها حبيسة المنزل، ويمكن تخيّل ما نالها من المجتمع في ذلك الوقت.
قد نفعل ذلك جميعاً، بل إننا قد نسخر من بعضنا بعض لجنسية نحملها أو لكنة أو لهجة مختلفة.. لشهادة علمية أقل أو تفكير مختلف.. نقتل عن عمد أو دون قصد، نقتل لمجرد أننا نرى أنفسنا أرقى وأعلة.. لأننا نختلف عن الآخرين.
حتى نكتشف أننا ربما نساهم في قتل من يمد لنا يده بالسعادة والحياة كما تكشف نهاية الرواية..
لكن ماذا عن القتل ظلماً في ساحة العدل.. لو كنا نقتل باسم القانون طائراً مغرداً بريئاً مثل «توم ربنسون» الملون الذي يدفع ثمن لون بشرته، ورغبة سيدة بيضاء فيه، قابلت رفضه لها بتهمة الاغتصاب، لأن كل الزنوج يكذبون، فالحكم معروف مقدماً.. وبرغم معرفة أتيكوس أنه خاسر منذ البداية، فهو لا يتراجع في دفاعه عن المتهم البريء، هذه هي الشجاعة الحقيقية في رأيه كما يقول: «أردتك أن ترى ما هي الشجاعة الحقيقية، بدلاً من أن تفكر في أن الشجاعة هي رجل في يده بندقية.. إن الشجاعة تكون حين تعرف أنك خاسر حتى قبل أن تبدأ، ولكنك تبدأ على أية حال وتحاول أن تصل بقضيتك الخاسرة إلى آخرها مهما يكن من أمر.. قد تكسب نادراً، ولكنك تكسب على كل حال».
وينتهي الأمر بإدانة ربنسون بكل تأكيد ثم فراره من السجن ليلقى مصرعه، وإن كان أتيكوس قد خسر قضية في ساحة العدل الزائف، فقد ربح قضيته الأخلاقية وربح أبناءه وصورته أمامهم، دفع ثمن مغادرته أغلبية اتفقت على باطل، فالشيء الوحيد الذي لا يلتزم برأي الأغلبية، هو ضمير الإنسان على حد قوله، يعتبر مشهد المحكمة من أجمل مقاطع الرواية إنسانياً وبلاغياً..
لا يمكن ذكر مشهد المحاكمة دون ذكر ذات المشهد في التحفة السينمائية التي قام ببطولتها النجم الشهير جريجوري بيك، الذي جسّد ببراعة دور أتيكوس فينيش، اختياره لأداء الدور كان عبقرياً، حتى تكاد عند إعادة قراءة بعض الأجزاء بصوته، متجسداً في أذنيك نظرته العميقة وحركاته المدروسة بشدة، ليستحق أوسكار عن هذا الدور الخالد.
في كثير من أجزاء الرواية، وجدتني أردّد عبارة «أتيكوس فينيش»، أن قتل العصفور الساخر خطيئة لا تقتل عصفوراً ساخراً، وفي كثير من تصرفاته أردّد الآية الكريمة ((ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)).
يؤخذ على الرواية تهميش دور توم ربنسون المتهم باغتصاب السيدة البيضاء، لكن قد يكون هذا انعكاساً لما كان عليه المجتمع في وقتها.. تبدو بعض الأفكار أعمق من طرحها على لسان طفلة بعمر سكاوت..ل كن تبقى الرواية مستحقة للنجاح الكبير والضجة التي صاحبت كل إصدار لها.
تقول نيللي هاربر لي عن روايتها:
«كنت آمل لها موتاً سريعاً ورحيماً على يد النقاد، لكن في الوقت ذاته تمنيت أن تعجب شخصاً ما، بشكل كاف حتى يشجعني، تمنيت القليل ونلت الكثير جداً، وبشكل ما كان هذا مرعباً مثل ذلك الموت السريع والرحيم الذي توقعت».
وفاء فاروق  

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال