الأغبياء يخدمون أعدائهم

قالوا: "يفعل الجاهل بنفسه كما يفعل العدو بعدوه". وهذا ينطبق كلياً على الإرهابيين الجهلاء. ولو لم يكونوا جهلاء لما نجح المحتالون النصابون من مشايخ الإرهاب في غسل أدمغتهم الفارغة وملئها بالأفكار التكفيرية التدميرية. فهؤلاء الجهلة هم أيضاً ضحية آلهة الشر الذين أسسوا القاعدة ولقيطاتها مثل: داعش، وجبهة النصرة، وبكوحرام وغيرها، ورضوا أن يقدموا أنفسهم طواعية قنابل و روبوتات بشرية لتنفيد ما أملي عليهم، بقتل الأبرياء وقتل أنفسهم، بعد شحنهم بثقافة تمجيد الموت واحتقار الحياة، والكراهية ضد الآخر المختلف، والهوس الجنسي بحور العين والولدان المخلدين في جنة وهمية من صنع الخيالات المريضة لأناس عاشوا في العصور الغابرة، عندما كانت الحضارة في مراحلها الجنينية، أي مرحلة الخرافة واللاعقلانية.
فبعد جريمة باريس (7/1/2014 )، نسأل: من الخاسر ومن الرابح من هذه المجزرة الرهيبة؟
الخاسر الأول والأكبر هو الإسلام والمسلمون. والرابح الأكبر هم المستهدفون من هذه الجريمة، أي الشعوب والحكومات الغربية وإسرائيل، التي أراد الإرهابيون الانتقام منهم. وكذلك اليمين الأوربي المتطرف، الذي يغذي العداء ضد الأجانب وبالأخص الجاليات الإسلامية، فيريدون إظهار الإسلام كدين بدوي متخلف، وايديولوجية للإرهاب ضد الحضارة الإنسانية، وتشويه صورة المسلمين وإبرازهم كبرابرة معادين للحضارة البشرية والقيم الإنسانية النبيلة و الحرية والإخاء والديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة وغيرها كثير. وقد نجح الإرهابيون في تحقيق هذه الأغراض لأعدائهم.
فعلى أثر هذه الجريمة، تمسكت الشعوب الغربية وحكوماتها بوحدتها، وتصلبت عزيمتها، واشتد تصميمها على السير قدماً في الدفاع عن قيمها الحضارية. فدائماً هناك نتائج غير مقصودة لأفعال المقصودة. حيث عبرت الجماهير في كل أنحاء العالم، وخاصة في الدول الغربية عن إرادتها، وتضامنها، ووحدتها ورفضها الشديد للابتزاز، وعدم التخلي عن قيمها الحضارية الإنسانية النبيلة التي كانت شعار الثورة الفرنسية (الحرية والإخاء والمساواة)، والتي هي نتاج تراكمات الفلسفات الغربية ابتداءً باليونانية القديمة ومروراً بمرحلة النهضة والتنوير، وإلى يومنا هذا، ولا يمكن أن يتخلوا عنها بالإرهاب ليتبنوا أفكار الوهابية وتعاليم بن لادن والقرضاوي وغيرهما من الدينصورات البشرية.
فالذي حصل هو بالضبط عكس ما أراد له الإرهابيون ومن وراءهم. وهذا هو منطق التاريخ.
وعلى سبيل المثال، ورغم اهتمامي بالقضايا السياسية و الإعلامية والفكرية، لم أسمع يوماً بمجلة اسمها (تشارلي إبدو). وهاهي اليوم صارت المجلة أشهر من نار على علم، حيث كان عدد النسخ المطبوعة أسبوعياً لا يزيد على 60 ألف نسخة، وإذا بها وبعد أسبوع من الجريمة طبعت يوم 14/1/2014 ثلاثة ملايين نسخة، فنفدت بعد ساعات، فقامت الإدارة بطبع مليونين نسخة أخرى "فبلغ عدد النسخ المطبوعة من العدد الأخير خمسة ملايين بعدما كانت تطبع في الماضي 60 الف نسخة اسبوعياً. كما وطبع العدد الجديد بست لغات، من بينها الإنجليزية، والعربية، والتركية، ...". كما وشاهدنا من على شاشات التلفزة الطوابير أمام محلات بيع الصحف لشرائها، و يظهر على صفحتها الأولى الرسم الكاريكاتيري للنبي محمد وهو يبكي بينما يحمل ورقة مكتوبا عليها "أنا شارلي".(1)
فمن الرابح في هذه الحالة؟
المشكلة أنه بعد "جريمة باريس"، طلع علينا عدد غير قليل من الكتاب بمقالات يحاولون فيها تبرير الجريمة وإلقاء اللوم على الدول الغربية. بل وبلغ التطرف بالبعض ليقول أن الحكومة الفرنسية وإسرائيل هما وراء جريمة باريس لأغراض دعائية ولتشويه صورة الإسلام والمسلمين، وإيجاد المبررات لضرب الشعوب العربية والإسلامية، نفس المعاذير التي سمعناها بعد جريمة 11 سبتمبر 2001، حيث أدعوا أن القائمين بها هم من الاستخبارات الأمريكية (CIA) والإسرائيلية (موساد)، من أجل خلق الذريعة لاحتلال أفغانستان والعراق وإضعاف الدول الإسلامية. ومازال البعض من ذوي النوايا الحسنة يؤمنون إيماناً قاطعاً بهذه النظرية. في الحقيقة، هذا التفسير والتبرير لا يقل خطورة من الإرهاب نفسه. ولا أدري لماذا تقوم هذه الحكومات بقتل الأبرياء من شعوبها لتوفير الذريعة لإسقاط حكومة طالبان الإرهابية في أفغانستان، وحكومة البعث الصدامية الفاشية في العراق، وكل المبررات موجودة مسبقاً. 
كما وأود التوكيد أني لا أريد هنا تبرئة بعض الدول الغربية في خلق المنظمات الإرهابية الإسلاموية لخدمة أغراضها، إذ بات معروفاً دور أمريكا في تأسيس "القاعدة" بأموال السعودية وأيديولوجتها الوهابية من أجل طرد القوات السوفيتية من أفغانستان، والإطاحة بالحكومة الشيوعية فيها، وهذا الموضوع يحتاج إلى مقال مستقل. ولكن أن نقول أن الحكومة فرنسية وإسرائيل خططتا لهذه الجريمة الأخيرة في باريس لأغراض دعائية وتشويه صورة الإسلام والمسلمين فهو غير قابل للتصديق مطلقاً ومثير للضحك والسخرية. فالذي يقوم بتشويه صورة الإسلام والمسلمين هم الإرهابيون الإسلاميون أنفسهم ومن يدعمهم من حكومات قبلية رجعية مثل السعودية وقطر، وأصحاب الفتاوى المضحكة المسيئة لٌلإسلام.
يجب أن يعرف الإرهابيون ومن وراءهم، أنه لا يمكنهم مطلقاً إلحاق الهزيمة بالغرب المتسلح بسلاح العلم والفلسفة، والفنون، والتكنولوجية المتطورة، والذي بإمكانه أن يحوِّل أكبر كارثة إلى فرصة للنجاح له، وإلحاق الهزيمة بالعدو. وعلى سبيل المثال استغلت إسرائيل هذه الجريمة لمصلحتها، فعملت على نقل جثامين القتلى اليهود الأربعة وهم مواطنين فرنسيين، إلى إسرائيل لدفنها هناك، وإظهار نفسها بالضحية، وأنها مهددة بالإبادة من قبل العرب والمسلمين، وبذلك فهي معذورة لما تقوم به من إجراءات ضد الفلسطينيين !!
فالعقلية الوهابية البدوية هي التي تقدم المبررات لتشويه صورة الإسلام والمسلمين، ومنظمو الإرهاب هم المسؤولون عن هذه الحملة ضد العرب والمسلمين في العالم. إذ كما قال الباحث في الدراسات الإسلامية، الدكتور غسان ماهر السامرائي: " ولكننا نحن الذين نقدم أنفسنا بأنفسنا على طاولة المشرحة، أولاً بالفكر الهمجي البعيد عن الدين الحق، وثانياً بإشاعة الجهل وغسيل الدماغ لهؤلاء "الصبية" ليكونوا أدواة بيد من لا يرحم...". 
عبدالخالق حسين
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال