ضجيج الفضاء العربي

تنتابك حالة من السهد والتعب، إذ يسقط الليل سريعا أو ربما تسلل إلى أواخر اليوم. فكلما حرّكت مؤشر المحطات على جهاز التلفزيون كلما ازددت غماً وحزناً، أو ربما أصبت بشيء من الغثيان. كلها وجوه صارخة. كلها خطابات متدنية، وبعضها يندس بين هذا الكم من القبح كله، لينشر بصيصا من النور ما يلبث أن يرحل وسط زحام الصراخ الفضائي.
إنه ليل المدينة العريقة، الشديدة الجمال هي ونيلها، يلعب بين الضفة والضفة لحن الفرح، ويمضىي بين مدينة ومدينة حتى يصل بها لقلب المدن كلها وأم العواصم. ومع نهاية النهار الطويل وصخب الأيام، تبقى هي لؤلؤة بين الجواهر، ترسم لليل معنى آخر غير ليالي المدن المصطنعة. كل ما بها حقيقي جدا، كل ما بها يرسم بشيء من العفوية، وخصوصا ليلها. تأتي انعكاسات أنوار المدينة على نيلها، والسفن الملونة تعبر ببطء حاملة فتياناً وفتيات يرقصن على أنغام الأغاني الشعبية الصاخبة. شيء ما في هذه المدينة يبعث على الفرح، ربما هو كثرة سخرية أهلها من أهلها أو خفة ظلهم التي ترسم حتى على مواقع مثل «فايس بوك» و«التويتر» كثيرا من الحزن والتعب المغلف بالبسمة أو الضحكة الواسعة.
ليس بعيداً عن هذا السحر الفطري، يجلس القبح كله في الفضاء الواسع. القبح الليلي كما يسميه البعض أو هو الهم الليلي. تمسك بمحرك المحطات مرة اخرى وتعيد الكرة فتنتقل سريعا من محطة إلى أخرى وكأنك تدرك مسبقا أنك لن تجد ما يشفي حبّك للمعرفة أو العلم أو حتى التسلية الرزينة. لا شيء هناك سوى الوجوه نفسها التي لا تزينها إلا كثير من المساحيق الباريسية. هي الوجوه ذاتها التي تكرر بعضاً من خطاب الكراهية، وكثيراً من خطاب التحريض والتطبيل والمجاملة الفجة والكذب المعلب بفخامة الصنعة! لا تعرف من أين جاء كل هؤلاء، وأي كليات وجامعات خرّجت هذا السّفه كله، الذي لا يحرك سوى مشاعر حسية سطحية لدى العامة، ولا يثير إلا الإثارة الرخيصة.
تنتقل إلى سرب من محطات الإقليم الإخبارية، فيدهشك حجم الاختلاف في الخبر الواحد. وتعيد التذكير: أليست هذه مجرد أخبار وليست آراء كتلك التي لوّنتها الوجوه القبيحة؟ تذكّر نفسك بأن كثيراً منها لا يسكن بعيدا عن سياسات ذلك البلد الممول، وإن تدارى في ثوب رجل أعمال ثري يهوى صناعة الحقيقة أو كلها كما يدّعون! كلها تحمل شعارات رنانة مثل «كل الحقيقة» أو «الصورة كما هي» رغم أن الصورة تكذب أيضاً. هم من تفننوا في صناعة الخبر كما يشاؤون وعلى أهواء سياساتهم الصبيانية والفجة، وهم من احترفوا تشويه الحقائق حتى انصرف عنهم كثيرون إلى محطات بعيدة جدا عن تلك القابعة في مدينة الضباب، القادمة من رحم مموّلها أيضا، ولكنها اكتسبت حرفية أكثر فأصبحت قادرة على المزج بين هذا وذاك. وهي التي عرفت أنك تستطيع الكذب على الناس بعض الوقت، ولكنك لا تستطيع أن تكذب عليهم كل ليلة ومساء!
آه ما أطول الليل العربي! ما أطوله وأنت لا تزال تعبث بمحرك التلفاز، والصورة لا تزال شديدة التشوية. وحين تدير ظهرك لحمّامات الدم حتى لا يتحول ليلك إلى سلسلة من الكوابيس، تذهب إلى دلوعة المدن العربية، هناك حيث كانت الصحافة تدرّس للوطن كله، وحيث عمّر أبناؤها وبناتها صحفاً كثيرة في مدن العرب كافة. ينتابك بعض الفرح لأنهم لم يدمنوا برامج «التوك شو» كما هنا، وانهم نوّعوا برامجهم كما تتنوع تضاريس الأرض التي هي الوطن الصغير، إلا أن سعادتك وفرحك يتحولان سريعاً إلى شيء من الدهشة المزعجة لحجم الإسفاف والتسفيه ودغدغة الحسيات الرخيصة، فيما البلد بلا ناطور أو حارس لشهور طويلة، فلا تحرسها سوى الملائكة ربما؟
ستتعب وأنت تتجول بين مدن العرب كلها وأنت جالس في غرفة منزلك تقلب طويلاً لتكتشف أنها تعيش نفس الداء كله، فالداء ما يزال يعم كما هي كل الظواهر العربية، حيث تبدأ من بقعة ولا تلبث وأن تنتشر كالطاعون في طول الوطن الكبير. إن قدرتنا على نشر القبح والكراهية أكبر بكثير من قدرتنا على بناء الجمال والفرح وصناعة الأمل. هناك حيث القبيلة قد تزيّنت بعباءة التكنولوجيا الحديثة واندست الطوائف والعصبيات تحت الحداثة المصطنعة، هناك اكتظ الفضاء بتلاوين من المحطات المتلفزة حتى تصورت تلك المدينة المصطنعة أنها عاصمة النور العربية تنشر الثقافة والعلم وتدعو الإعلاميين والصحافيين العرب من بقاع الكون كله فتكرّمهم وتكرمهم، ولا تلبث أن تقدم لكثير منهم ومنهن الثمن المطلوب لتجميل القبح.
ينالك كثير من الملل والتعب فتعود للنيل وللفتية الراقصين على صفحته بكثير من الحرية البعيدة عن تلصص الأعين السوداء المنتشرة على طول الوطن. لا عزاء للإعلام العربي، لا عزاء للمشاهد العربي. لا عزاء لنا جميعاً، وها نحن لا نزال بعد سنين النفط وزمنه، نبحث عن حقيقة ما يجري في مدينتنا.. عبر محطاتهم هم!
 خولة مطر

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال