انتخابات تونس ترفع رهان الدولة على أنقاض فشل الإسلام السياسي

 أهمية الإنجاز الذي اتّسمت به الانتخابات التونسية، في سياق إقليمي تميّز بصفة عامة بوضعيات انسداد ما بعد ثوري، حيث حلت الفوضى والعنف محلّ البناء الديمقراطي، جلبت انتباه العديد من الملاحظين، الذين وصفوا المشهد الانتخابي التونسي بـ”الحالة الشاذة”، خاصة بعد أن سحبت القوى الحداثية الوطنية البساط هذه المرّة من تحت أقدام حركات الإسلام السياسي التي كادت تعصف بالمسار الانتقالي ككل بعد فوزها بانتخابات 2011، وفق ما جاء في ورقة بحثية للباحث عادل اللطيفي صدرت عن “مبادرة الإصلاح العربي”.
أدت الانتخابات التشريعية كما الرئاسية في دورها الأول والتي شهدتها تونس في نهاية سنة 2014، إلى نتائج مختلفة جذريا عن الانتخابات التأسيسية لسنة 2011. وهي اختلافات تعكس تحولا كبيرا سواء على مستوى المشهد السياسي أو على مستوى توجهات الرأي العام وذلك على ضوء ما تمكن الناخب من معاينته للسياسة وأهلها طوال الفترة الانتقالية على امتداد ثلاث سنوات.
وتكتسي هذه الانتخابات التشريعية والرئاسية أهميتها ليس فقط باعتبارها مرآة تعكس الواقع الاجتماعي والسياسي والنفسي للتونسيين بل كذلك باعتبارها ستحدد ملامح الفترة النيابية المقبلة والتي ستمتد على مدى خمس سنوات.
ونظرا إلى هذا التداخل ولعمق التحولات فقد اختلفت التحاليل بين من يرى في نتائجها عودة للنظام القديم وذلك في قراءة سياسية مباشرة، وبين من يرى فيها تحولا سياسيا يعكس عمق التحول المجتمعي في تونس.
ما الذي تغير بين سنتي 2011 و2014؟
يفسّر انتصارحزب نداء تونس، الذي تكون حديثا، بأغلبية المقاعد وحصول مرشحه لمنصب الرئاسة الباجي قائد السبسي على المرتبة الأولى، أنّ الصراع اليوم أضحى قائما على التعارض بين نموذجين سياسيين ثقافيين للدولة والمجتمع، هما نموذج الدولة الوطنية الحديثة ونموذج الإسلام السياسي.
وفي إطار ورقته البحثية، تطرق الباحث عادل اللطيفي، إلى بيان أنّ المشهد السياسي التونسي تغير بشكل جذري بالنظر إلى أوّل انتخابات جرت بعد انتفاضة سنة 2011. وقد تم هذا التغيير، حسب رأيه، في إطار من الاستقطاب يرى البعض أنّه كان مفتعلا؛ استقطاب بين قوى الحداثة والقوى التقليدية أو المحافظة وعلى رأسها حركة النهضة الإسلامية.
ومن ثمّ يخلص إلى أنّ القراءة العميقة لنتائج الانتخابات الأخيرة (2014) ومقارنتها بانتخابات 2011، تُبيّن بوضوح أنّ هذا الاستقطاب لم يكن سياسيا بل كان مجتمعيا بالأساس. وفي ظلّ مثل هذا الاستقطاب تصبح مسألة عودة النظام القديم مجسّدة في “حزب نداء تونس″ (مثلما تروّج إلى ذلك قوى الإسلام السياسي) من باب المزايدة السياسية والدعاية الانتخابية أكثر من كونها تستند إلى تحليل جديّ.
فبفعل الثورة، يرى اللطيفي أنّ تونس شهدت ديناميكية مجتمعيّة خلقت شروطا جديدة للتّطور السياسي يصعب معها عودة النظام القديم، ولو وصل بعض رموزه إلى السلطة من جديد.
وفي هذا السياق تبين الانتخابات الأخيرة في تونس أن الإشكالية الرئيسية التي حكمت توجّه أغلب الناخبين لم تعد هي نفسها كما كانت في سنة 2011. فإذا كانت الكلمة المفتاح لانتخابات ما بعد الثورة هي “الإسلام”، فإنّها تركت المجال سنة 2014 إلى إشكالية “الدولة” مع ما يعنيه ذلك من عقلنة الوعي السياسي في تونس، والتي أغلقت الباب أمام أي محاولة لـ”أخونة” المجتمع والبلاد.
كيف كانت دلالات الأرقام؟
في ما يتعلق بتقييم العملية الانتخابية في مجملها، يشير عادل اللطيفي في دراسته إلى أنّ اعتماد آلية الانتخاب على قاعدة التسجيل الطوعي قد قلّصت نسبة المشاركة مقارنة بانتخابات سنة 2011. حيث تجاوز عدد المصوتين سنة 2011 الأربعة ملايين في حين شارك في الانتخابات التشريعية لسنة 2014 فقط ما يقارب الثلاثة ملايين ونصف ليتراجع عدد المشاركين مرة ثانية خلال الانتخابات الرئاسية في دورها الأول بحوالي 300 ألف شخص. من جهة أخرى بلغت نسبة المشاركة سنة 2011 قرابة 70 بالمئة لتتراجع نسبيا في تشريعية 2014 إلى حوالي 68 بالمئة ثم في الدور الأول للرئاسية إلى حدود 64 بالمئة من عدد المسجلين.
ويفسر اللطيفي ذلك بالعقبات التي واجهت عملية التسجيل في هذه السنة، ولعل أهمها في نظره؛ تنظيمها في فصل الصيف والاقتصار على فترة وجيزة لإتمامها. غير أنّه يشير في سياق متصل إلى أنّ نسب المشاركة تبقى شديدة التفاوت خاصّة بين الداخل والخارج، حيث لم تتجاوز النسبة في الخارج الثلاثين بالمئة في أحسن الحالات نظرا إلى قلة المكاتب وانتشار الجالية التونسية على فضاء واسع.
أمّا الملاحظة الثانية والهامّة، في نظره، فتتعلق بفئة الشباب، حيث لم تبد هذه الشريحة العمرية حماسا للمشاركة في التصويت لا في الموعد التشريعي ولا في الدور الأول للرئاسة. وتعود أسباب هذه المقاطعة كما يعبر عنها العديد منهم إلى فقدانهم الثقة في تحسن أوضاعهم خاصة في مجال التشغيل ثمّ إلى النكسات التي أصابت المرحلة الانتقالية والتي شوّهت عملية التحول السياسي خاصة في السنوات الثلاث التي حكم فيها الإسلاميون البلاد. ويعكس غياب هذه الفئة عن التصويت، حسب رأيه، ذلك الإحباط الذي غرق فيه التونسيون خلال المرحلة الانتقالية.
هل شهدت انتخابات 2014 استقطابا؟
أوّل ما يشد الانتباه على مستوى نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، وفق اللطيفي، هو ظاهرة الاستقطاب الثنائي التي تأكدت من خلال التصويت المكثف لتوجُّهين مجتمعيين وسياسيين رئيسيين. وقد تأكّد هذا الاستقطاب في الدور الأول من الرئاسية ولو بعناوين مغايرة كما سنرى، حيث هيمنت حركتا نداء تونس الفائزة وحركة النهضة التي تراجعت شعبيتها وفقدت ثقة الكثير من التونسيين جرّاء أخطائها في الحكم، على أكثرمن مليونين ومائتي ألف صوت خلال الانتخابات التشريعية. وقد تمّ ذلك على حساب أحزاب أخرى مثل الجبهة الشعبية التي تجمع اليسار والقوميين وعديد الأحزاب التقليدية الأخرى.
في ذات السياق، يشير اللطيفي إلى أنّ تجاوز مستوى التحليل السياسي المباشر والتعمّق في محتوى نتائج الدور الأول من الرئاسية، يخلص بالمتابع، إلى أنّ نتائج هذه الأخيرة سوف تعيد نتائج التشريعية تقريبا بنفس الاستقطاب ولو بعناوين مغايرة؛ فأول تساؤل يفرض نفسه من وجهة نظر علم الاجتماع السياسي في هذه الحالة هو تفسير الأصوات التي تحصّل عليها المرشح محمد المنصف المرزوقي والحال أن حزبه المؤتمر من أجل الجمهورية لم يحصل سوى على 2 بالمئة في التشريعية، كما أن استطلاعات الرأي لم تكن تعطيه سوى قرابة 7 بالمئة من نوايا التصويت ثلاثة أشهر قبل الموعد الانتخابي. ولهذا يخلص إلى أنّه لابد من تعميق الفهم ليلج عمق الحراك المجتمعي.
فبحكم عدم تقدم حركة النهضة بمرشح لها، وهي التي تمثل الشق المحافظ سياسيا واجتماعيا والحامل لمشروع الإسلام السياسي، وجد المرزوقي موطئ قدم له في هذا الفضاء المحافظ خاصة أنّه يمثل مكونا من “الترويكا” التي كانت تحكم، لذلك استفاد من “الماكينة” الانتخابية لحركة النهضة مثل المراقبين. كما استفاد حتى من أحزاب إسلامية متطرفة مساندة له مثل “حزب التحرير”، الذي كان قد قاطع الانتخابات التشريعية. وبهذا يخلص اللطيفي إلى أنّ الأطراف المحافظة الإسلامية، تحركت بشكل أكثر فاعلية بعد تراجعها في الانتخابات التشريعية، مؤكّدة بذلك محافظتها على نفس ذلك الاستقطاب المجتمعي بين التوجه الوطني الحداثي والتوجه المحافظ الإسلامي.
كما تؤكد دراسة اللطيفي الصادرة عن “مبادرة الإصلاح العربي”، أنّ الرهان في الانتخابات التونسية تغيّر من أولوية الإسلام إلى أولوية الدولة ومن نموذج الإسلام السياسي إلى الهوية الوطنية. وهو تحوّل على مستوى الثقافة السياسية، كذلك من تلك النظرة المثالية الطوباوية للإسلام السياسي باعتباره تواصلا للدين الإسلامي، إلى نوع من العقلانية التي تميّز بين السياسة، وخاصة في إطارها الوطني، وبين الإسلام باعتباره هوية أخلاقية وثقافية عامّة.
وهكذا فإن الاستقطاب الثنائي قد قام بين نموذجين مجتمعين، وما نتيجة الانتخابات إلا انعكاس لرغبة غالبية الناخبين التونسيين القاضية بإزاحة نموذج حكم وثقافة أثبتت قصورها.
كيف يمكن فهم النتائج؟
تؤكّد حصيلة الانتخابات، وفق اللطيفي، أن الاستقطاب الثنائي بين حزبي نداء تونس الحداثي ومرشحه الأوفر حظوظا للفوز بالرئاسة الباجي قائد السبسي، وحركة النهضة الإسلامية التي ساندت وتساند المرزوقي (رغم إعلانها أنها اختارت موقف الحياد)، مازال متواصلا.
وفي هذا الإطار يوضح الباحث أنّ مثل هذا التقسيم لا يُعدّ اعتباطيا بقدر ما يحيلنا إلى طبيعة المرحلة التاريخية التي تعيشها تونس وطبيعة الرهانات التي تحكمها بعد الثورة. فبالنظر إلى طبيعة الخطاب وطبيعة الأسس الأيديولوجية لهذين الحزبين، يمكن القول بأن الاستقطاب هو بين التوجه الوطني الحداثي المدني في تونس ويمثله النداء، والذي يرى في الإسلام المعياري مشروعا للحكم والهوية ونموذجا مؤسّسا على مفهوم الدولة الوطنية المعاصرة والقانون الوضعي، ومشروع الإسلام السياسي الذي تمثله النهضة.
وعلى أساس هذا التقسيم برز استقطاب ثنائي بين أنصار الهوية الإسلامية كما بلورتها تيارات الإسلام السياسي بما فيها الإخوانية وأنصار الهوية الوطنية التي تثمّن إسلاما تونسيا يستلهم من الحداثة.
بهذا المعنى، يخلص اللطيفي، إلى أنّ انتصار نداء تونس وتصدّر الباجي قائد السبسي للدور الأول من الرئاسية وحظوظه الوفيرة للفوز بكرسي قرطاج، يُعدّ بمثابة انتصار للهوية التونسية على حساب الإسلام السياسي كرؤية للدولة والمجتمع.
وبهذا يمكن أن يُفهم هذا التحول على ضوء الفشل الذي منيت به حركة النهضة الإسلامية في التعامل مع ثلاثة ملفات أساسية هي تسيير الدولة ومسألة العنف ثم إشكالية الهوية الوطنية. فعلى خلفية قراءة خاطئة للدولة التونسية تعتبرها مجرّد مغامرة فردية لبورقيبة وبالتالي يمكن الهيمنة عليها وتغييرها، وضعت حركة النهضة من بين أهدافها وهي في الحكم السيطرة على دواليبها من خلال تعيينات حزبية خلقت توترا شديدا داخل الإدارة التونسية. بالإضافة إلى غياب برنامج سياسي واضح يُمكن أن يعتمد في تسيير الدولة والشأن العام بما يجنّب البلاد حالة الانسداد التي وصلت إليها.
أمّا ملف العنف فيتمثّل في تحميل جزء كبير من الرأي العام حركة النهضة مسؤولية انتشار الإرهاب بسبب تساهلها مع العناصر السلفية الجهادية وتشجيعها لسفر الشباب التونسيين إلى سوريا وتبنيها لنشاطات “رابطات حماية الثورة” التي مارست العنف ضد الفنانين والمثقفين. في حين أخذت مسألة الهوية صبغة الحرب الباردة بين أنصار الإسلام السياسي وشق هام من التونسيين. وقد تعمّقت الهوة بين الطرفين بسبب الأنشطة التي قام بها عديد الدعاة الوافدين من بلدان أخرى، بمباركة نهضاوية، ليروّجوا لخطاب ديني غريب عن التونسيين.
وبهذا يخلص اللطيفي إلى أنّ الحرص الشديد على استرجاع مقومات الهوية الوطنية التونسية واستعادة دولة ما انفكت تضعف منذ 14 يناير 2011، دفع بالتونسيين إلى تجاوز نموذج الإسلام السياسي الذي أثبت فشله على جميع المستويات، فتوجه الناخبون من ثمّة بكثافة إلى التصويت لفائدة الحزب الذي يمثل هويتهم ودولتهم وكذلك الرئيس الذي يعدّ الأقدر على قلب المعادلة على الإسلاميين ومن والاَهُم، في نظرهم.
العرب - alarab.co.uk
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال