كتاب كيف صار التونسيّون تونسيّين؟

يبدو أن أحداث الربيع العربي قد أخرجت الواقع المعيش من خانة اللامفكَّر فيه التي تردّى فيها بسبب حُرّاس الأنظمة السياسية والاجتماعية والثقافية والقِيَمية السائدة إلى فضاء السؤال المُباح، وجعلت جهود الدارسين تَنْصبُّ عليه باحثةً في أحيائه وأشيائه عن المخفيّ من حقائقها. وفي هذا الإطار يمثّل كتاب "كيف صار التونسيّون تونسيّين؟" للمؤرّخ التونسي الهادي التِّيمومي، الصادر عن دار محمد علي للنشر(صفاقس)، محاولةً بحثية جريئة كان النزوعُ فيها جليًّا إلى الوقوف على ملامح الشخصية التونسية، وتأويل العوامل الحضارية التي أنتجتها.
الكتاب، رحلة في تاريخ الهُويّة التونسيّة، وهو تاريخ جوهر الأحداثِ وزّع الباحث سيرورتَه الزمنية على ثلاث مراحل: الأولى سياسية، وتمتدّ من العصور البدائية إلى العصر البيزنطي، وأهمّ أحداثها مجيء الفينيقيّين من الشرق الأدنى وتأسيس قرطاج سنة 814 ق.م. وإدخالهم البلاد في الحضارة وفي التاريخ.
والمرحلة الثانية دينيّة، وتبدأ من مجيء العرب المسلمين وإلى حدّ القرن السادس عشر، وأهم أحداثها انتشار الإسلام والزحف الهلالي وانتشار المذهب المالكي. والمرحلة الثالثة اقتصادية، وتمتدّ من بداية انخراط تونس في المنظومة الرأسمالية العالمية إلى سنة 2014. وأهم أحداثها حضور العثمانيّين، وظهور الاستعمار الفرنسي، ثم نيل الاستقلال سنة 1956، وقيام ثورة 14 يناير 2011.
ويرى الباحث أن كلّ مرحلة من هذه المراحل التاريخية أثّرت بأحداثها في نحتِ مَلْمَحٍ من ملامح الشخصية التونسية السياسية والدينية والاجتماعية حتى استوت للتونسيّ "هُويّة" خاصة تميّزه عن باقي سكان حوض المتوسّط، وتنبئ بها أفعاله ومواقفه سواء أكان ذلك على مستوى السلوك الفردي أم على مستوى السلوك الجماعي. 
والغالب على صفات التونسيّ خلال كلّ هذه الفترات التاريخية هو "وجود ما يشبه القانون في تاريخ البلاد: يُقاوم السكّانُ بشراسة كلّ غاز دَخيل، لكن لَمّا يتبيّن  لهم أنه يَقبل الاندماج في النسيج الاجتماعي للبلاد ويستقلّ بالبلاد عن الإملاءات الخارجية، يتبنّونه ويعتبرونه بمثابة ابن البلد". وهو أمر مثّل له الباحث بحال دخول الإسلام إلى تونس، حيث رأى أن مِنَ المتخصّصين في التاريخ الديني التونسي مَن يقول: "إن المسلمين لم يُؤَسْلموا التونسيّين، وإنما التونسيّون هم الذين تَوْنَسوا الإسلام".
واللافت في كتاب الهادي التيمومي أنه مبنيّ وفق منهجية بحثية تنهض على دعامة الانطلاق من ملامح مُواطن سنة 2014، والتحقّق منها، واستخراج المشترَك العامّ فيها، ثمّ العودة إلى الماضي للنظر في الأسباب التي أنتجت مفهوم هذه "التَّوْنسية".
وإذا حاولنا الوقوف على ملامح شخصية التونسي التي ذكرها الباحث في كتابه وجدنا لها صنفين: صنف التاجر الداهية وصنف الفلاح المتهوِّر، فأما التاجر فيوجد عادة بالمدن، وهو ديكارتي يتصرّف بعقلية تجارية، فلا يُقدم على فعل شيء إلا بعد أن يحسب حجم أرباحه منه وخسارته فيه، ومن ثمة تراه يتصيّد الفرص السياسية والاقتصادية دون تهوُّرٍ. وأمّا الفلاح فغالبا ما يكون منقادا لأهوائه، ويتصرّف بوجدانية عشائرية أو جهوية أو وطنية أو دينية، وهو الذي ساهم في جلّ الانتفاضات التي عرفتها تونس، ولكنه لم يجن منها شيئا، ويفسّر التيمومي صفات الفلاح بالقول: "ولهذا نرى أن الفلاّح حتى عندما يصل إلى السلطة السياسية، يجد نفسه مدفوعا إلى إعادة إنتاج الواقع القديم الذي يثور ضدّه متصوِّرا أنه بالإمكان إصلاحه، وهذا نوع من القصور في الفكر الإنشائي التخيّلي لدى الفلاح". غير أن الباحث لا يني يؤكّد في كتابه أنّ هذه الاختلافات غالبا ما تذوب كلما حاق بالبلاد خطر أو شهدت حدثا مفرحا، إذ سرعان ما يتحد التونسيون في السرّاء والضرّاء كاشفين بذلك عن وحدة صفّهم وقدرتهم على التآزر والتضامن وتجاوز الألم. 
وتتوزّع سمات شخصية التونسي على صنفيْن: سمات سمحاء وأخرى مُحْرِجة. فأما الصفات الإيجابية فمنها: "خُلُقُ المُكايسة" والتحذلق والكلام الجميل حتى قيل إن التونسي "لْسانو يَغْزِل الحَرير". يضاف إلى ذلك صفة الفضول وحُبّ التعلّم وهو ما ذكره المؤرخ الفرنسي بِيار هوباك في قوله: "من الصفات الأساسية للروح التونسية فضولٌ خارق للعادة ورغبةٌ في التعلّم والفهم". ومن الصفات الأخرى الإقبال على الحياة، وهو ما يوجزه الباحث في قوله: "إن التونسيّين لم يكونوا مسكونين في الماضي بالنكد حتى في أكثر اللحظات المأساوية. لقد كانت الكوارث تتابع بلا هوادة: الحروب والأوبئة والمجاعات والجفاف والجراد وشغب البدو والاستبداد السياسي الرهيب، ومع ذلك خلقت هذه الآفات الطبيعية والبشرية نهَمًا للحيلة" ظل الناس أثناءه يحاولون التمتّع بالحياة إلى أقصى حدّ حتى جاز القول إنّ "تونس هي البلد المغاربي الوحيد الذي شهد في أوج العهد الحفصي تأليف أكبر عدد من الكتب الإيروتيكية مثل كتب أحمد التيفاشي وأبي عبدالله التيجاني ومحمد النفزاوي... وكان بعض الفقهاء في تونس يمارسون "ليلة الغلطة" وهي ليلة يتذوّقون فيها بعض المُتع الممنوعة، وعند الفجر يغتسلون ويطلبون المغفرة من الله"، ونحن واجدون في الأمثال الشعبية ما يُحيل إلى هذه الصفة في القول: إن التونسي "يِدِّي (يُؤدّي) الفَرْض وينْقب الأرض (يُلبي شهواته)". وتمثل "الضيافة" سمةً أخرى من السمات السمحاء للمواطن التونسيّ إلى جانب الفكر العملي والبراغماتية، فالتونسي "لا يتشدّد كثيرا في التمسّك بالمبادئ، وهو قادر على التأقلم في أيّ وسط اجتماعي داخل تونس وخارجها" وذلك عملا بالمَثَل الشائع القائل: "المهم أقضي شورك" أي المهم أن تحقّق غايتك. ثم إن التونسي من أكثر الشعوب انفتاحا على الآخر واحتراما للمرأة (أول شعب عربي سنّ قانون منع تعدّد الزوجات)، واعتدالا ووسطية وتسامحا، لأنه "يعرف كيف يُخمّر غضبه إلى أن تحين الفرصة، فيفجّره في وجه جلاّديه".
وأما الصفات المحرجة في شخصية التونسي فيذكر منها الهادي التيمومي المرور بلا أدنى حرج من خُلُق المروءة إلى النقيض، فهو "يتلوّن في مواقفه مثل الحرباء ويقلب السّترة حسب حاجاته، والبحث عن تحقيق أقصى النتائج بأقل مجهود ممكن، والثقافة غير العميقة والتعلّم للكسب المادي فقط، والتباهي بالفحولة حتى أن "ممارسة الجنس لدى الكثير من التونسيّين هي بمثابة التوغّل في أرض عدوٍّ يجب تلقينه درسا لا يُنْسى، فهم "ياكلوا" المرأة و"يَقَعْروها" و"يْفَتْقوها من بَعِضْها" و"يْخَلُّوها دايْخة". ومن الصفات السلبية الأخرى يذكر التيمومي العنف اللفظي وممارسة الخصومات والإيمان بالسحر والشعوذة.
ولا بدّ في خاتمة هذا العرض لكتاب "كيف صار التونسيّون تونسيّين؟" من تأكيد أنّ اتكاء الباحث فيه على إيديولوجيته الماركسية لتفسير الأحداث التي عاشتها البلاد، منذ ما يزيد عن 3000 سنة، لا ينفي وجود فواعل أخرى بعضها سياسي وبعضها ديني وبعضها جغرافي.
عبد الدائم السلامي -  كاتب تونسي
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال