فضيحة التعذيب في السجون الأميركيّة.. إعلام التستّر وإعلام التشفّي

أجمعت وسائل الإعلام الأميركيّة والعالميّة على الانشغال بتقرير الكونغرس الأخير حول أساليب التعذيب التي استخدمتها وكالة الاستخبارات المركزيّة بعد أحداث 11 أيلول 2001، لكنّها اختلفت في مقاصدها ودوافع اهتمامها بالقضيّة.
بدا واضحاً لجوء بعض وسائل الإعلام الأوروبيّة لاستخدام لهجة أكثر حزماً فيما يتعلق بالانتهاكات الأميركيَّة لحقوق الإنسان، كما لو أنّ تلك القنوات وجدت الفرصة سانحة للتعبير عن ضيقها من الهيمنة الأميركية بدافع تغير ميزان القوى. على سبيل المثال، تستنكر «فرانس 24» تجنّب مدير الوكالة جون برينان كلمة تعذيب، ولجوئه إلى مصطلح «أساليب مثيرة للاشمئزاز». فيما تحكي جريدة «ذا غارديان»، بأسلوبٍ مؤثر، حكاية شاكر عامر، المواطن السعودي المعتقل حتى في غوانتنامو، بعدما سحبت منه الاستخبارات الأميركيّة تحت التعذيب، شهادة كاذبة، كانت إحدى ذرائع الحرب الأميركية على العراق. لكن الصحيفة البريطانيّة إذ تستحضر الحادثة اليوم، تحاول التنديد بالتبعيّة البريطانيّة لأميركا في ذلك الوقت، إذ يطلب الكاتب من بريطانيا، على لسان شاكر عامر، أن تنقذه، في نهاية المقال.
وفيما يتعلّق بالتغطية العربية «للفضيحة»، عرض برنامج «الواقع العربي» على قناة «الجزيرة» تقريراً (3:09 د)، أعدّه محمد الطيّب، بدأه بلقطات من جلسات الاستماع في الكونغرس، ومشهد لمعتقل يتمّ تعذيبه بسكب الماء البارد على جسده. لكن طبيعة المشهد سرعان ما تتغيّر، مع استعادة مشاهد أشدّ قسوة، تمّ تداولها سابقاً حول التعذيب في السجون السورية، وفيها يعذّب شابٌ من خلال لسعه بسلك كهربائي، وهو يصرخ ويبكي ألماً. هذا ويعرض التقرير كذلك مشاهد لجرح ظهور المعتقلين بالسكاكين. عند هذه النقطة تتذكر «الجزيرة» أّن مناسبة الحديث فضيحة وكالة الاستخبارات الأميركية، ولذلك تعرض من باب رفع الكلفة بعض اللقطات الباردة لمعتقل يقاد بلباسه البرتقالي، ومشهد لسجين نصف عارٍ، ثم لقطات لأبنية السجن وأبراج المراقبة الخاصة به. بحيث يقول كل ما في الصورة للمشاهد: «أنظر كم هي متحضرة السجون الأميركية، كيف يمكن للكونغرس الاعتراض على معاملة بهذه الرقّة؟!». بعد عرض التقرير، يناقش المذيع الحبيب الغريبي الملفّ مع ضيفيه، مدير المركز الوطني للعدالة في لندن محمد الشيخلي، ورئيس اللجنة القانونية في الائتلاف السوري هيثم المالح. وبالرغم من أن الضيفين اعترفا بعدم شرعيّة سجن غوانتانمو، وقيام الولايات المتحدة بترحيل بعض معتقليها كي يتم تعذيبهم في سجون عربية، بدا واضحاً الاستمرار في الترويج لفكرة ألّا مقارنة بين ما تفعله الأنظمة العربية مقارنةً بالنظام الأميركي.
وعلى المقلب الآخر، كما هو متوقع، لم تخف وسائل الإعلام الرسميّة السوريّة فرحها بالفضيحة الجديدة. مثلاً، أعدَّ يحيى كوسا في الإخباريّة السوريّة تقريراً بعنوان «فضيحة التعذيب تكشف حجم النفاق الأميركي» (2:14 د.)، أفرد فيه مساحةً واسعة لصور التعذيب داخل السجون الأميركية، معتبراً أن تبريرات برينان لم ترق إلى مستوى الفضيحة. فيما يقول علي علي في تقريرٍ سابق على الإخبارية أيضاً: «لا يحقّ لكل الإدارات الأميركية قديمها وجديدها إلقاء محاضراتٍ علينا حول الديموقراطية وحقوق الإنسان».
تبقى ملفات المعتقلين في سجون الأنظمة العربية قضية جوهرية، لا يجب تغييبها أو تناسيها، وكانت ولا تزال أحد أهم أسباب الاحتقان الشعبي في سوريا والمنطقة. إلا أن ذلك لا يبرر توجيه الأنظار نحوها، في هذا الوقت تحديداً، لتلميع صورة الاستخبارات الأميركيّة، تماماً كما لا يمكن تبرير توظيف الفضيحة الجديدة لتبرئة المعتقلات العربية، بحجة أن «أميركا لا يحق لها إدانتنا».
في الحقيقة، ليس هناك أي جديد فيما يتعلق بما بات يعرف بفضيحة وكالة الاستخبارات الأميركيّة. كل ما في الأمر أن الوقت أصبح سانحاً كي «يفاجأ» الكونغرس ومعه جوقة من وسائل الإعلام العالميّة، بأن هناك انتهاكات لحقوق الإنسان في السجون الأميركية. إذ إنّ كل ما في التغطية الإعلامية للقضية يؤكد مرة أخرى أن المعتقليّن وآلامهم آخر ما يهمّ وسائل الإعلام.
نور أبو فرّاج

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال