أعمال الشاعر اللبناني سعيد عقل

بغياب سعيد عقل لا يخسر الشعر وحده، بل تخسر الحياة نفسها الكثير من ألقها، وتخسر الأرض الكثير من هوائها النظيف، وينخفض منسوب الجمال، وتنكمش الجغرافيا اللبنانية والعربية على صقيعها وأوحالها في زمن دعاة التكفير وجلاوزة الفكر الاستئصالي، والجبروت الفارغ لأنظمة الاستبداد.
يتسم شعر الشاعر سعيد عقل بالفرح ويخلو من البكاء. وهو قال يوما "في شعري شيء من الرمزية لكن شعري أكبر من ذلك، يضم كل أنواع الشعر في العالم، هؤلاء الذين يصدقون أنهم رواد مدرسة من المدارس ليسوا شعراء كبارا، الشعراء الكبار هم الذين يجعلون كل أنواع الشعر تصفق لهم".
من دواوينه "قصائد من دفترها" و"رندلى" و"دلزى" و"أجمل منك؟ لا". وقد أصدر أيضا كتاب "لبنان إن حكى" الذي يتطرق إلى أمجاد لبنان بأسلوب قصصي، يتأرجح ما بين التاريخ والأسطورة.
وتفوق عقل أكاديميا خلال دراسته، مارس الصحافة والتعليم وكتب في جرائد "البرق" و"المعرض" و"لسان الحال" و"الجريدة" وفي مجلة "الصياد"، ودرس في العديد من المؤسسات التعليمية.
وأنشأ سنة 1962 جائزة شعرية من ماله الخاص قدرها ألف ليرة لبنانية، تمنح لأفضل صاحب أثر "يزيد لبنان والعالم حبا وجمالا".
ونال العديد من الجوائز الأدبية لأعماله الشعرية والمسرحية، كما نشر عددا كبير من الكتب لاسيما تلك التي نشرت باللهجة اللبنانية.
وسنة 1981 صدر لسعيد عقل ديوان شعر باللغة الفرنسية اسمه "الذهب قصائد" وهو كتاب جامع يحمل خلاصة ما توصل إليه فكره في أوج نضجه.
وقد غنت قصائده خصوصا فيروز وماجدة الرومي.
 بغياب سعيد عقل يتفقد كل واحد منا حياته ليعرف حجم الفراغ الذي خلاه وراءه. ويتفقد كل واحد ذاكرته ليدرك حجم الأعطاب التي قوضت أبهى ما في داخلها من الصور والرؤى، ويستسلم الجمال الذي احتفى به الشاعر أشد الاحتفاء إلى مصيره المجهول. فلا أحد سواه، باستثناء القلة النادرة، استطاع ان يحمله إلى أعراسه الأبهى، وأن يجعل الشعر من جهة أخرى قريناً للكرامة الإنسانية، حيث ارتفع بقصائده عن حضيض المديح والاستخذاء للحكام ووهب نفسه بالكامل للمثل التي حملها في ضميره ولغته وقلبه.
واليوم، وفي هذه الساعات السوداء، لا نفتقد في سعيد عقل شعره الريادي، الذي يقف في الوسط بين الكلاسيكية الجديدة والرمزية والذي يختتم بلا منافس عصر الكلاسيكيين الكبار، بل نفتقد معه القيم العالية التي جسدها بشخصه، والتي حملت معاني الفروسية والكرم والنبل والصفاء الداخلي والابتعاد عن المهاترات والترفع عن الضغائن. نفتقد تلك الجبهة المرفوعة والوسامة البادية في قسماته، وتلك القامة المنتصبة في وجه الأعاصير، والصوت الأجش على تهدج عاطفي، والكاريزما التي فتنت جميع من رأوه رؤية العين أو تابعوه في إطلالاته على الشاشات.
تحضرني في النهاية مقولة للشاعر الإنكليزي الشهير ت. س. إليوت مفادها «أن كل شاعر متفوق يميل إلى استهلاك الأرض التي يحرثها، بحيث لا تعطي بعده سوى محصول متضائل، بما يوجب أن تبقى في حالة راحة إلى زمن طويل». وإذ أستعير هذه المقولة من إليوت، أسأل نفسي دونما حاجة إلى إجابة: أليس هذا هو الحال مع سعيد عقل؟.
المسعودي عبدو - شوقي بزيع
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال