قراءة في الرسائل المشفرة للانتخابات الرئاسية التونسية

كما توقعنا جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية مرآة عاكسة للخارطة التي أفرزتها تشريعية 26 أكتوبر المنقضي مع حفظ الفارق بين الصورة والأصل…
من بين الرسائل المشفرة التي يمكن التوقف عندها بالاستقراء والتفكيك :
• الرسالة الأولى:
في نفس الخط البياني أو يكاد لنتائج الانتخابات التشريعية تصدّر الباجى قايد السبسى – مرشح نداء تونس- المركز الأوّل يليه مباشرة وبفارق انتخابي لا يتعدى الست نقاط المنصف المرزوقي – مرشح قواعد النهضة الغير معلن- لنجد تحت خطّ العشر بالمائة تباعا القيادي الجبهوى “حمة الهمامى” في المرتبة الثالثة والهاشمى الحامدى – المرشح الاسلامى المستقل- في المرتبة الرابعة وأخيرا سليم الرياحى- رجل الأعمال ورئيس الاتحاد الوطني الحر-…
فالتداخل الزمني بين الاستحقاق التشريعي والرئاسي – في حدود العشرين يوما تقريبا – وإستراتيجية الاستقطاب الثنائي التي عملت على فرضها عددا من وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ألقى بضلاله على مخرجات الانتخابات…
إلا انه من الثابت في التجارب الانتخابية المقارنة أنّ “مزاج الناخب” لا يمكن أن يتغير بين ليلة وضحاها وأن “الاستقطاب الثنائي” سمة بارزة ومرافقة لجميع التجارب الانتقالية، المهم أن تتم إدارته بشكل عقلانى وسلمى…
• الرسالة الثانية :
مرّة ثانية نسجّل مقاطعة قسما واسعا من الشباب للعملية الانتخابية وما يشكّله غياب هذا الرقم الصعب عن المعادلة الانتخابية من تهديد جدي لمستقبل ديمقراطيتنا الناشئة في المنظور المتوسط والبعيد…
• الرّسالة الثالثة:
من المعلوم أن الانتخابات في تعريفها المبسط “ماكينة تسويقية” ضخمة توجهها سياسات اتصال خفية ومعلنة  تٌضخّ فيها امكانات لوجستية ومالية ضخمة.
ما تفرّد به الدّور الأوّل من الانتخابات الرئاسية هو عنصر استخدام “المناولة” في الماكينة..فمن العمل للحساب الخاص – نظرا لغياب مرشحا عنها- إلى العمل لحساب الغير تحرّكت الماكينة النهضوية لتأهيل  المرشح “المنصف المرزوقى” للدور الثاني …
فان تمّت المناولة دون علم قيادي النهضة فانه يٌسجل “للمرزوقى” أنه كان أول من تمكّن من اختراق الجسم الانتخابي للحركة باستمالة قسما هاما منها ..وان صحّ سيناريو خروج الماكينة النهضوية عن السيطرة فعلا فستكون سابقة لم تعهدها حركة عقائدية مشهودا لها بانضباط قواعدها وأنّ لا مكان للالكترونات الحرة في التحكم في مراكز القرار …
• الرسالة الرابعة:
مباشرة بعد عودته من “بريطانيا” بعد غياب طويل تمكّن المرشح الاسلامى “الهاشمى الحامدى” من احتلال المركز الرابع من الرئاسات ومن إعادة إنتاج مفاجأة 2011 حين احتل حزبه “العريضة الشعبية “المرتبة الثانية في انتخابات 23 أكتوبر 2011 ..مفاجأة صادمة فقط لمن لم يقرأ المشهد البائس “لتونس المناطق الداخلية” جيدا.. فعقلية الابن البار/المنقذ القادم من وراء البحار تجد لها أكثر من مسوّغ في تربة لم تعانقها “حاصدة النمو” لعقود طويلة…
• الرسالة الخامسة:
باحتلال “الجبهة الشعبية” للمركز الرابع في الانتخابات التشريعية وبتصدره للمرتبة الثالثة في السباق الرئاسي أكّد “حمة الهمامى” ومن خلفه اليسار التونسي أنه قادرا أن يعيد مأثرة اليسار الايطالي بنسخة تونسية أصيلة.. فالتوقف نهائيا عن اعتلاء “حجرة سقراط” والانكباب أكثر على القيام بمراجعات شاملة وجدية طالت الجانب الايديولوجى بأبعاده العقائدية والسياسية والاقتصادية مكّنها من التماهى السلس والتدريجى مع مفردات يوميات التونسي العادي ..تحوّل عميق في الخطاب وفى السلوك  يؤشر بان للجبهة الشعبية مستقبل واعد في قادم الاستحقاقات الانتخابية …
• الرسالة الخامسة :
من ناحية “سوسيولوجيا الانتخابات” تستبطن كل ديمقراطية ناشئة أو متجذرة بعد جهويا بالضرورة ..فالجنوب الفرنسي يصوّت تقليديا لليمين على عكس الشمال ..وعددا من الولايات الأمريكية معروفة بولائها الانتخابي/التاريخي للحزب “الجمهوري” وأخرى “للحزب الديمقراطي”..والحالة التونسية لن تشذ عن هذه القاعدة ..فالتقسيم الادارى والفجوة الكبيرة الفاصلة بين الجهات أفرزت وجوها وحساسيات سياسية بعينها.. فبلغة الأرقام يكون الشمال “ندائى” والجنوب “نهضوى” والشمال الغربي “جبهوى”…واقع قد يستمر لعقود – لا ضير في ذلك – ما لم ينزلق في أتون  النزعات الجهوية المقيتة الداعية للتفرقة والكراهية …
• الرسالة السادسة والأخيرة :
مزيدا من التمعّن في الخطاب التعبوي للمرشحين في حملتهما الانتخابية  يشير بوضوح بأن الطريق نحو “قصر قرطاج” لا يتوقف فقط عن مدى توفّق هذا المرشح أو ذاك من الاستفادة من المخزون الانتخابي لأصحاب المراتب الثالثة والرابعة والخامسة  لزئبقية ناخبيهم بل أيضا بمدى قدرة كل واحد منهما على عدم  انجرار للعب في أرضية الآخر.
محجوب لطفي بلهادى
باحث تونسي متخصص في التفكير الاستراتيجي
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال