الشعب التونسي أجدر بجائزة ابن رشد من الغنّوشي

الشعب التونسي أجدر بجائزة ابن رشد من الغنّوشي عودة تونس الى رشدها.. دأبت "مؤسّسة ابن رشد للفكر الحرّ" منذ أن تأسّست ببرلين سنة 1988 على منح جائزتها السنوية لواحد من المثقّفين العرب التنويريّين الذين قدّموا لمجتمعاتهم مشاريع فنية أو إعلامية أو إبداعية أو فكرية مناهضة لسلطة "الدوغما" وداعية إلى حريّة الفكر والاجتهاد فيه بما يحقّق قطيعة مع مؤسّسات النقل وإكراهاتها، ومن هؤلاء نذكر محمود أمين العالم ومحمد أركون ونصر حامد أبو زيد وسمير أمين وريم بنّا وغيرهم. 
وعلى ضحالة قيمة الجائزة المادية، فإن في ارتباطها بالأندلسي ابن رشد، وهو الفيلسوف الذي انتصر للعقل في كتاباته ورفض النزوع النقلي الذي ساد كتابات أغلب معاصريه، ما يمنحها قيمة رمزية يبدو أنها تخلّت عنها في دورتها الحالية (الدورة 16) التي خصّصتها "لشخصية عربية (رجل أو امرأة) ساهمت بكتاباتها أو تأثيرها السياسي في إنضاج فكرة الإسلام المواكب للحداثة والتنوير كداعم للمجتمع المدني في بناء الدولة العربية الديمقراطية الحديثة"؛ إذْ يبدو أن الدنيا قد ضاقت أمام أعين لجنتها بما رحبت من الفاعلين في ثقافة الإسلام المُتنوّر، ولم تجد غير السيد راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية بتونس جديرا بها من جهة كونها رأت فيه "أحد أبرز المفكرين المسلمين العرب المعاصرين... وهو كرجل سياسي معروف على نطاق واسع لقناعته بتوافق الإسلام مع مبادئ التعددية والحرية والديمقراطية في العصر الحديث"، وهو توصيفٌ نراه محتاجا إلى نظر في مضمونه وتحقيق كبيرَيْن.
ذلك أن المعروف عن كتابات راشد الغنوشي، وإن ناقشت بشكل غير علمي مسائل تهمّ الواقع العربي الإسلامي كتمكين المرأة (المرأة بين القرآن وواقع المسلمين) والحرية (الحريات العامة في الدولة الإسلامية) ومدَنيّة الدولة (مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني)، لكنها ظلّت عائمة في مناخات التقيّة والازدواجية والتشبّث بما قال السلف، حيث تحمل الفكرة في ظاهرها معنًى وتُخفي في باطنها نقيضَه.
ولعلّ في ازدواجية خطاب الغنوشي التي كشفتها مواقفه وتصريحاته بعد عودته من منفاه اللندنيّ إلى تونس، ومنها حديثه عن واجب ضمان حركة النهضة للمؤسَّستيْن العسكرية والأمنية، وإصراره على أن الحركة خرجت من الحكومة ولم تخرج من الحُكم، واعتباره السلفيّين إخوانَه الذين يذكِّرونه بشبابه، ما يُنبئ بتنبّه فئات واسعة من الشعب التونسي لخطورتها ما قد تُفسَّرُ به معاقبةُ الناخب التونسي لحركة النهضة في انتخابات 26 أكتوبر/تشرين الأول 2014 في ما وُصِفَ بانقلاب شعبي عليها عاد به النظام القديم إلى الحكم، ولكن هذه المرة بطريقة ديمقراطية تمّت عبر صناديق الانتخاب. وهو ما يجعلنا نتساءل: أليس الشعب التونسيّ أجدر بجائزة ابن رشد للفكر الحرّ من راشد الغنوشي؟ أليس من ازدواجية خطابه أن يرى في تَعدُّدِ الزوجات "ليس فريضة وإنما أمرٌ مباح واستثنائي"، دون أن يُفسِّرَ كيف تُمَكَّنُ المرأةُ وتَعَدّدُ الزوجات أمر "مباح واستثنائي"؟
ثم إنّ تأكيد هيئة جائزة ابن رشد أن السيد الغنوشي "يفهم الديمقراطية كجزء من الإسلام المعاصر وهو مقتنع بأن الإسلام لا يُناقض في بنيته نظام الحكم القانوني الديمقراطي ويدعو إلى دولة مدنية"، إنما هو تأكيد فيه كثير من المبالغة والتحريف لآراء الرجل ومواقفه، لأن تجريبَ حركة النهضة للحكم في تونس بعد أحداث 14 يناير 2011 كشفَ عن المسكوت عنه من رؤية الغنوشي لمفهوم مدَنيَّة الدولة؛ إذ كيف لرجل له توق أيديولوجي ومبدئيّ إلى التعالي على مفهوم الوطن صوب حاضنة إيديولوجية تخترق الجغرافيا أنْ يؤمن بمفهوم الدولة المدنية؟ ألم يعلن أمين عام حركة النهضة ورئيس حكومتها الأولى السيد حمادي الجبالي عن خلوّ سياسة الحركة من مفهوم "الدولة المدنية" ويهنّئ الناس بلغة تلامس الوجدان الديني الشعبي بحلول زمن الخلافة الراشدة السادسة في قوله لحشود منهم: "يا إخواني أنتم الآن أمام لحظة تاريخية، أمام لحظة ربانية في دورة حضارية جديدة إن شاء الله في الخلافة الراشدة السادسة إن شاء الله".
وإذا كانت العلمانية من وجهة نظر الغنوشي فكرا دخيلا على المجتمع الإسلامي لم يظهر فيه "إلا بأثر الغزو الغربي الذي حمل إلى المسلمين مشكلات غريبة عن تاريخهم وثقافتهم، مثل مشكلة الصراع بين الدين والدولة، وفصل الدين عن الدولة"، ألا يُعدُّ لَعِبًا على ذُقون المصطلحات زعمُه بأنّ وجودها يصير ممكنا شرط أن تكون علمانية جزئية وفق ما يقول: "وبهذا المعنى يمكن أن تجد العلمانية الجزئية لنفسها مكانا في تصور إسلامي"؟
لا نملك في ختام هذا، إلا أن نهنّئ السيد راشد العنوشي بجائزة الفكر الحرّ، ونهنئ معه فوزَ تونس بالدّيمقراطية في انتخاباتها الأخيرة، ويظلّ الأمل في استمرارية هذه الديمقراطية معقودا على ذكاء الشعب ويقظته الفكرية. مع التذكير أن الكثيرين من المثقفين والمثقفات انتقدوا تقديم الجائزة للغنوشي وأبرزهم الكاتب التونسية رجاء بن سلامة.
عبد الدائم السلامي 

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال