كيف تحدت تونس أعداء الديمقراطية والحرية؟

يقول غسان كنفاني «.يسرقون رغيفك .. ثم يعطونك منه كِسرة .. ثم يأمرونك أن تشكرهم على كرمهم .. يا لوقاحتهم !!»، يوم 17 كانون الأولم ديسمبر أحرق الشاب اليافع نفسه احتجاجا على إهانة كرامته.
لهيب نار جسد البوعزيزي فجر بركان الغضب الشعبي، فانطلقت ثورة الياسمين، فنالت من حواجز الدكتاتورية وحطمت حاجز الخوف لدى جماهير الشعب ومختلف طبقات المواطنين عبر الوطن العربي من الماء إلى الماء… وذاك ما عبر عنه بعد أسابيع ب «الربيع العربي».
الأحداث فاجأت الأنظمة والغرب الإمبريالي واللوبيات المهيمنة على مقدرات وخيرات الأمة… الكل أصيب بالرجفة والإرتعاد من قوة «المصاب الجلل»، إنه «التسونامي» الذي أتى على غفلة من «ردارات» مراقبة الأحوال السياسية والإقتصادية داخل مختلف الأقطار العربية، ففي كل عاصمة وكل مدينة وقرية وداخل كل نفس حتى وإن كانت كتومة، حدثت خلخلة نفسية ثم تبعتها رجات وردات لهذا الزلزال العظيم…
أمر غريب أن تستفيق الشعوب العربية بعد السبات العميق والتخدير الطويل والإستعمار المتواصل المقيت والإستقلال المصحوب بالقمع المتوالي… إنه لأمر في منتهى الغرابة أن يخرجوا على اختلاف مشاربهم، أناس عاديون و يرفعوا شعار «إرحل»، «Out» و «Dégage»، يملؤون الساحات ليحتجوا ضد الظلم والقهر والفقر والجوع ويعلنوها الشباب جهارا «ثورة من أجل الحرية والكرامة»، والكهول صراحة «هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية»… !!
إذا كان للسياسي من سلاح فعال، منذ عهد حمورابي، هو سلاح اللغة، وبعدها في عصر الإغريق، هو سلاح البلاغة اللغوية والأفكار الجديدة حتما، وفي العصر الجاهلي والعصر الإسلامي، اللغة والمنطق وسيادة الشعر حتما، فإن في عهد الأنوار كانت الأفكار طبعا، وفي العهد الصناعي سادت الأفكار والإبتكارات فعلا. لكن في القرن الواحد والعشرين، فإن الوسيلة الجبارة؛ هي قوة الخليط بين ذاك وذاك، أي الثورة التكنولوجية و قوة التواصل التقني الإلكتروني والإعلام بنوعيه التقليدي والحديث، فكان لهذه المؤثرات بليغ الأثر على مجتمع تونسي يقظ، أغلب سكانه لهم طابع التمدن «La Cité» غير الطابع الطائفي والقبلي، تمدن يعلو النساء والجال الشباب والشيوخ، مما ساعدهم على «إمكانية تدبير الإختلاف».
إمكانية «تدبير الإختلاف» بين الفرقاء الإيديولوجيين والسياسيين والنقابين داخل المجتمع ككل، سواء كانوا محافظين، ليبيراليين، متدينين أو علمانيين. تُقبل أفكارهم وطُروحاتهم المختلفة حول ماضٍ وجب أن ينتهي ومستقبلٍ «متوافق عليه» وجب أن يُؤسس له في الحاضر، تتقبله مبدئيا مختلف الرُّؤى، إسلامية كانت أو علمانية، الكل مُتَّحِد ضد العنف والمتاهات الجاهلية والمواقف الرعناء، أيًّا كان نوعها ومصدرها وأصحابها. السياسة حق للجميع، والحرية ملك الجميع، والوطن يأوي الجميع، خيرات ومقدرات الوطن للجميع، المؤسسات تُبنى بالتشارك والتساوي من الجميع، لتخدم الجميع، والجميع يلتف حول الوطن، والوطن يأوي الجميع. والجميع للوطن.
فريديرك نيتشه الفيلسوف والشاعر الألماني يقول « عَلى مَنْ يُحاربُ وَحْشًا أَنْ يَسْعى لِكَيْ لا يُصْبِحَ هُوَ نَفْسُهُ وَحْشًا. وَحينَ تَتَمَعَّنُ الْهاوِيَةَ طويلا سَتُحَدِّقُ الْهاوِيَةُ أَيْضًا بِأَعْماقِك.».
الصراع مابين أفكار الماضي وأفكار الحاضر، وجوار تونسي لا ديمقراطي وفوضوي واحترابي هذه الأيام، ما يدفع حقا الداخل إلى رفع التحدي ضد كل تهديد مهما أوجع ومهما كلف وتكرر، تحدٍّ كبير فعلا، يريد تحقيق عرس «الربيع العربي» حقًّا في تونس الياسمين.
الشعب التونسي يُكرس عملية الانتقال السياسي السلسل والسلمي عبر صناديق الإقتراع، ليعلنها صراحة أن الإسلاميين والعلمانيين، لافرق بينهم، عندما يكون همُّهم الأوحد هو العمل من أجل بناء الوطن وخدمة الإنسان المواطن، فلابد أن تكون صناديق الإقتراع هي الفيصل من طرف الشعب، عبر اختيار حر وديمقراطي، لهذا تبدو التعبئة السياسية والسجال الفكري والبرنامج الإنتخابي ذا شجون، ما دامت نسبة المشاركة ستكون هي التحدي، ‏ ‏لعملية الانتقال السياسي، ويمنح المجلس التشريعي المنتخب تفويضا شعبيا ‏للتفرغ للقرارات الصعبة، خاصة وأن النظام شبه البرلماني الذي تم ‏الاتفاق عليه سيكون أمام تحديات عظيمة في طليعتها مكافحة العنف والإرهاب ‏والنهوض باقتصاد البلاد والتخفيف من الاستقطاب الداخلي ورأب ‏الهوة بين طبقات المجتمع التونسي من الأكثر فقرا إلى العمل على التدرج نحو الأكثر ثراء. ‏
إن اهتمام العالم والغرب بانتخابات تونس، أكثر ما يهتم بانتخابات أوكرانيا أوالبرازيل إلا لوجودها في قلب منطقة إستراتجية كبيرة من هذا العالم، منطقة تحفها المخاطر، تكتسحها الصراعات السياسية والعسكرية والمبارزات الفكرية والإحترابات الطائفية وتضم أكبر احتياطي طاقي في العالم؛ إنه العالم العربي الذي ينزف دمًا، الذي لاينتج ولا يصدر غير أنه يتقاتل يوميا، وينهب بعضه بعضا كُرْهًا، والأمة مشتتة بالجهل المدروس والعصبية والطائفية المنتعشة والتخدير المتواصل.
حول هذا الإهتمام الخارجي يانتخابات تونس يقول أنطوني دووركين، من مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي «إذا استمر انتقال البلاد نحو الديمقراطية قدما فسيكون هناك علامة قوية على أن الديمقراطية يمكن أن تتجذّر في العالم العربي. وفي الوقت الذي يبدو فيه أي أمل للإصلاح السياسي قد تلقى انتكاسة في غيرها من دول المنطقة، تبدو تونس الدولة الوحيدة القادرة على تلبية الآمال في نهضة العرب في مستقبل قريب .»
وأضاف «حتى لو تم تجاهل المثال التونسي في المدى المنظور، بما لا يجعله قادرا على أن يلهم الغير مثلما كانت تونس ملهمة الربيع العربي، فإنّ تجذير ديمقراطية ناجحة في البلاد، سيكون دافعا قويا للبقية ودلالة واضحة وقوية على أنّ الإصلاح والتعددية السياسية ليس مقدرا لها الفشل في العالم العربي.».
عمر ح الدريسي

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال