تونس تنتخب - أيّها التُونسي.. صَوتُـكَ عِرضُكَ

يومان فحسب يفصلان تونس عن المرور إلى تُخُوم الضّفة الأخرى ،، اكتظت السّاحات العامّة بالدعايات الانتخابيّة والترويج الزائد عن الحاجة أحيانا لتلك القائمات المترشحة على اختلاف أنواعها ومشاربها ..
أكثر من ألف وثلاثمائة قائمة مترشحة شوّشت ذهن التونسي .. وهو غضّ طريّ لا يقوى على فرز علمي وعقلاني للفسيفساء الحزبية التي أغرقت التونسيين في غوغائها .. كيف يمكن توصيف هاته الحالة لدى التونسيين وهم يعيشون ولأول مرة في تاريخهم انتخابات تشريعية تعددية تحت إشراف هيئة مستقلة ستفرز برلمانا منتخَبا ..
 بقطع النظر عن شكل هذا البرلمان فان اللحظة تاريخية وتتطلب منا جميعا وقفة تأمل في تمفصلاتها .. وهي أيضا لحظة رمزية باعتبار فرادة التجربة التونسية وفُتُوَّتِها في النّهج التأسيسي الديمقراطي بالنظر إلى ما يحدث في محيطها وعلى حدودها .. لحظة تستدعي أيضا التّمعّن في حال التونسي التّوّاق إلى الحرية والانعتاق والذي أصيب بانتكاسة وألَمّٓ به الإحباط بعد ثلاث سنوات أو يزيد عن الثورة .. كيف سيتفاعل في خُلْوته مع ورقة الاقتراع ؟؟ ما هو قراره الذي لم يتبلور بعد ولم ينضُج في علاقة بالواقع والمحيط ..
هل سيكون قرارا عقلانيّا أم وجدانيا أم انطباعيا أم اعتباطيا .. ؟؟ تساؤلات بالجملة تعتمل في ذهن السواد الأعظم من التونسيين المقبلين على مرحلة جديدة لم تعد تفصلهم عنها إلا ساعات معدودات ،،تساؤلات أسبابها الموضوعية هي حالة الإرباك الذي أصاب النّخب السياسية التي خيّرت التعامل مع  السلطة بمعنى الغنيمة أكثر من معانى إعلاء مصلحة البلاد والعباد ،،فأغرقتنا جميعا في عمق الصراع السياسوي الضيق وتجرَّد المفهوم السياسي من كل قيمة أخلاقية ..الكلمات المتداولة على لسان عدد لا يستهان به من الشعب التونسي هي كلمات حاسمة في حق نخبه السياسية كرّست إلى حد بعيد الهوة السحيقة بينهما .. فمن سيختب التونسيون إذن وكيف ؟ ؟ ..
وأنت في خلوتك فكّر في مستقبل البلاد الذي تصنع بيديك أولى خطواته .. وأنت تختلي بنفسك لتمارس حقك لا تنسَ قوت عيالك ..لا تنس أنّك تتحمل مسؤولية مصير أجيال هم أبناؤك وأبنائي .. دعك ممن يقايض صوتك بالشغل والأمن .. واختر فقط من يحترم فيك تونسيتك وإنسانيتك .. فكّر فقط فيمن يعتبرك مواطنا لا رقما في حساباته الانتخابية ..
لا تلتفتوا إلى من يبيعونكم الوهْم من أجل أن يصادروا أصواتكم .. لا تُعيروهم اهتماما فهم سينصرفون إلى شؤونهم عند أول منعطف .. فكروا مليا في تونس التي لا يختلط حبها بزيف ووَهْمِ بعض المتهافتين على المناصب وهم ليسو أهلا لها.. أيها التونسي صوتُك كعِرضك فصُنه وأحرِصْ عليه كما تحرص على شرفك ..
الانتخاب ممارسة إنسانية في أبهى واحلي تجلياتها .. فلا تدنِّسوا هذه الممارسة بشوائب المال والمصلحية والزبونية والاصطفاف .. واجعلوها ممارسة حرة مدروسة ومعقلنة حتى لا نصنع بأناملنا من يكمم افواهنا غدا ويمُنُّ علينا برغيف الخبز وحفنة من السَّكينة المفخخة المنثورة على قلوب مرتعشة ..
جزء كبير من التونسيين اختلطت في أذهانهم خيوط اللعبة السياسية..في ظل هيمنة أحزاب بعينها على الساحة فيما تاه الآخرون وهم المترشحون  المستقلون الفاقدون للمال وسط الزحام .. فلا يُسمع لهم صوت إلا قليلا ..هؤلاء لم تُنصفهم الانتخابات الفارطة سنة 2011 فهل تنصفهم انتخابات 2014 ؟؟.
فيهم قامات وهامات لا يُستهان بها متوغلة في المشهد السياسي والمدني ومتمكنة من تونسيتها تغامر بحثا عن مكان لها في صخب السياسة والأحزاب التي أكلت من التونسيين وقتَهم وجهدَهم وحتى أعصابهم .. تقدمت إلى الانتخابات من خارج الأحزاب ..  وهي قائمات مستقلة متنوعة نقية من أدران السياسة غنية بتعويلها على إرادة التونسي الحرة رغم أن المال يعوزها .. هؤلاء يُعوّلون على وعي تونسي عميق بأهمية الاعتبار من سنوات الحكومات السياسية التى أدخلت البلاد في أتون حربِ ملاسنات وتشويه للخصوم السياسيين ..
المشهد التونسي المقبل يلوح في الأفق متنوعا ومتوازنا .. فسيفساء جميلة سيصنعها التونسيون ـ إن رغبواـ  وسينسج خيوطها بعد اقل من يومين في ملحمة تاريخية ستعبر بنا إلى الضفة الأخرى في تؤدة وفي سلام ،،أتمنى ذلك..
حمّادي معمّري

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال