حينما يفقد الاجير كرامته

يؤسفني ويؤلمني أن ألفت الانظار التي لا تلتفت و التي لا تحب أن تلتفت إلى الإذلال و الاهانة التي يتعرض لها الاجير المغربي من لدن بعض ارباب العمل عديمي الضمير الذين تسلطوا على اقتصاد بلادنا الهزيل, واستغلوا معاناة عمالنا البؤساء لبناء مجدهم المالي وتكوين ثرواتهم الطائلة على حسابه.
    و يؤلمني أن نرى ونشاهد في كل صغيرة وكبيرة حق الكادح وهو مضطهد الجانب لا يكترث بأمره و لا يعنى بشأنه ولا بدرجته مهما بلغت من الثقافة و التعلم.
و يؤسفني أن نرى الانتهاك والاستغلال  يتكرر في صور و قوالب مختلفة و متنوعة حسب ما يهواه رب العمل والذي في الغالب الاعم لا يكون سوى اشباع نزوات يطبعها الاستعلاء و التكبر أو المتاجرة المفرطة بحقوقه عامل مقهور لا حول له ولا قوة.
نعم هناك نصوص قانونية مسطرة مكتوبة, إلا أنها لا ترقى لتحمي هذا العبد الواهن, بل زادت من بؤسه واستغلاله. لأنها بكل بساطة وضعت في ظروف ازدادت فيها علاقة الباطرونا وأرباب النقابات العمالية إلى درجة حب ممنوع, يأخد كل منهما مقابلا لما تنازل عنه, فيقترح هذا ويصوت ذاك في حالة توافقات سياسية بعيدا عن رأي من يهمهم الامر. فخرج لنا قانون الشغل رأسماليا قلبا وقالبا .  وهذه القواعد المسطر لا تطبق إلا من جهة واحدة فقط لأن في المغرب روح القانون شيء وتطبيقه على الواقع شيء أخر مخالف تماما. 
لا يخفى على احد ضعف مركز الاجير في مدونة الشغل الممنوحة, والتي جعلته في مركز المدافع عن نفسه فقط دون أن تكون له صلاحيات حقيقية توازي التي لرب العمل. ولا يخفى على أحد أن في بعض الشركات وبعض أوراش العمل.... لا وجود لشيء اسمه القانون ولا النقابة و لا من يستمع لشكوى الاجير. لكن هناك يسود منطق الاسترقاق فيمثل المشغل دور السيد. أما الاجير فهو العبد المستسلم, يسمع ويطيع دون أن تكون له جرأة الدفاع عن حقه... ويتخيل له أنه عاش في أحد العصور الغابرة زمان العبودية و الظلم فيسكت ويكدح. وعند الكبر يجد نفسه ''كحلوف الله فوق أرضه'' – بأصح التعبير- بدون حق في المعاش وبدون تغطية صحية و بدون سكن لائق وبدون ضمان اجتماعي وبدون...  
هنا لابد من التساؤل أين هي تلك الكرامة؟ أين تلك العدالة الاجتماعية؟ واين هي مقومات العيش الكريم؟ التي تحدث عنها دستور 2011. أم أنها مجرد خطوط خطتها مرتزقة المخزن العميق لإخماد غضب الشارع زمان الثورات؟. أين تطبيق اتفاقيات حقوق الانسان كما هي متعارف عليها دوليا والتي تشبت بها المغرب ويصر الخطاب الرسمي على العمل بها؟ أين المنظمات النقابية للأجراء التي تحملت على عاتقها مسؤولية الدفاع عن الحقوق و المصالح الاجتماعية والاقتصادية للفئات التي تمثلها و النهوض بها؟ اين هي  مراقبة مفتشية الشغل لأوضاع العمال وظروف اشتغالهم؟ أين.....؟
أكيد أن طرح مثل هذه الاسئلة يصيب المخزن و الباطرونا وعاشقتهما النقابات العمالية بالاستياء و السخط. فتحاول دائما أن تبعد من يسعى لإيقاظ مضاجعها الرخية على فراش معاناة الطبقة الكادحة. فتلجأ إلى قمع من يطالب بحقه بأساليب مختلفة كتطبيق القانون بشكل معكوس. أو تسريح العمال وطردهم دون أن يكون لهم الحق في التعويض عن الضرر وإن كان فلا يتجاوز مبالغ زهيدة لا تسمن ولا تغني من جوع.
اليوم لم يعد الامر يقتصر على القمع المباشر بل سلكت الباطرونا بشراكة مع وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني  مسلكا جديدا ومنهجا إيديولوجيا صائبا. لعبت فيه على البعد النفسي والتربوي لتسخير أبناء الشعب لمصالحها الخاصة. فتقدم مبالغ مالية لمكتب التكوين المهني و إنعاس الشغل '' عفوا إنعاش الشغل'' مقابل تأهيل هذه الاخيرة خشبا مسندة وجدوع نخل صماء. ممهدة للعمل بالشكل الذي يودده المشغل دون أن يدري حقوقه وواجباته وهذا أمر خطير يستدعي إعادة النظر في المناهج المتبعة داخل مراكز التكوين المهني.
ومن هنا وهناك ضاع العلم وضاع الحق وضاع المواطن العامل في بين اسطر مدونة الشغل وكذا بين النقابات العمالية التي بينها وبين اتحاد مقاولات المغرب قرابة سياسية قوية.  ولا أحد احس بمرارة عيش أولئك القابعين في مهانة العمل تحت ظلال الامبريالية التي لا ترحم ولا تربطها بالرحمة صلة, وهكذا يبقى الشغل في القطاع مقترنا بالبؤس و المهانة. 
عمر بهوش 
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال