مَن خسر العراق؟

من خسر العراق، ولماذا؟ ربما يكون هذا هو السؤال المطروح الآن، لكنه يبدو غير دقيق، ذلك أنه يفترض أن تلك الدولة كانت في أيدينا وأننا خسرناها. والحقيقة انها لم تكن، ولكن ذلك لا يعفينا - نحن الأميركيين - من المسؤولية، فقد تعاملنا مع العراق بشكل بالغ السوء منذ البداية. ولم يكن غزونا مسؤولاً، وكان احتلالنا وإدارتنا للدولة كارثيين، وترك رحيلنا كثيراً من القضايا الشائكة من دون حلول.
بنيت حرب العراق على مبررات واهية، إذ ارتكزت على أكاذيب إدارة بوش، ولم تكن الأكذوبة الأكثر شناعة هي تلك المتعلقة بمزاعم «أسلحة الدمار الشامل»، وإنما كانت التوقعات الخاطئة بأن الحرب لن تستمر سوى أسابيع قليلة، وأن تواجدنا في العراق سينتهي في غضون ستة أشهر، وأن التكلفة لن تتجاوز ملياراً أو ملياري دولار، في حين أن جنودنا سيُرحّب بهم بالورود كـ«محررين»، وأن الديموقراطية الجديدة في العراق ستكون نموذجاً يُحتذى به في «الشرق الأوسط الجديد».
في تشرين الأول من العام 2003، عندما أصدرنا أول استطلاع للآراء في العراق ظهر أن العراقيين مستاؤون من سلوكنا ويريدون أن نغادر. كذبت إدارة بوش مرة أخرى، وحاولت التعتيم على نتائج الاستطلاع بأخبار جيدة عن انتصاراتنا وكيفية سير الحرب.
وبحلول 2005 - 2006، بدا واضحاً أننا في فوضى عارمة أكثر مما تخيلنا، وكانت جرائم سجن «أبو غريب» فضيحة صادمة للعالم، ولوثت صورة أميركا، بينما قوض الصراع الطائفي المجتمع العراقي، وهو ما أحدث موجات من تدفق اللاجئين والنزوح الداخلي. عندئذ، قرّر الرأي العام العربي والأميركي أن «الكيل قد فاض». واحتدم الجدل الأميركي بين فريقين ينادي أحدهما بمضاعفة أعداد القوات، ويدعو الآخر إلى الانسحاب الفوري.
شكّل الكونغرس «مجموعة دراسة العراق»، بقيادة بعض الساسة البارزين، بهدف إيجاد طريقة للمضي قدماً. وكان تقرير المجموعة متوقعاً بدرجة كبيرة. ولكن عندما تم إصداره، تجاهلته الإدارة، وتعاملت معه بانتقائية، فأخذت ما يروق لها ونبذت ما جاء على خلاف هواها. وكانت النتيجة زيادة الانقسام الطائفي في العراق مع ترسيخ أقدام القيادة الفاسدة.
ومن أجل تحقيق غايتها، تفاوضت إدارة بوش على «اتفاقية وضع القوات الأميركية» مع الحكومة العراقية التي طالبت بسحب القوات من البلاد، بحلول نهاية العام 2011. ومن ثم اضطر الرئيس أوباما إلى تنفيذ هذه الاتفاقية.
وأثناء حملة الانتخابات الرئاسية في العام 2008، رفض أوباما الدعوات المطالبة بمجرد ترك العراق، مصرّاً على أن الولايات المتحدة يجب أن تتوخى الحذر عند الانسحاب بعد عدم اللامبالاة التي صاحبت الغزو. لكن موعد الانسحاب كان قد تم تحديده بموجب الاتفاقية، وأصرّت الحكومة العراقية على احترامه. ولم يكن التحدي الذي يواجه الإدارة هو تاريخ الانسحاب، بل ما تعين علينا فعله قبل نهاية التواجد العسكري الأميركي في العراق.
وكان من بين توصيات «مجموعة دراسة العراق» التي رفضت إدارة بوش تنفيذها تأسيس «إطار أمني إقليمي». وقد كان ذلك يتطلب مشاركة من كل القوى الفاعلة في المنطقة، خصوصاً تركيا والسعودية والأردن والكويت وسوريا وإيران. كان من المحتمل أن يعارض كثير من المشاركين، إلا أن جميع هذه الدول كانت لديها مصالح وأدوار تلعبها في استقرار العراق. وعلاوة على ذلك، كان بعض هذه القوى قد انخرط بالفعل من أجل حماية مصالحه. وكان الغرض الرئيس من جمعها أنه سيكون من الأفضل أن تجلس على مائدة واحدة والعمل بصورة علنية بدلاً من أن يتلاعب بعضها بالأحداث من خلف الستار. لكن ذلك لم يحدث، إذ لم يقبل بوش أو أوباما ذلك التحدي.
وفي استطلاع للرأي تم إجراؤه في العراق بحلول نهاية العام 2011، كانت مخاوف الشعب العراقي واضحة. وانقسمت آراء العراقيين بشأن تواجدنا وانسحابنا، وأيّد الشيعة انسحابنا، بينما أعربت غالبية السنة والأكراد عن قلقها من أن تتعرض للخطر عند خروجنا. وكانت أكبر مخاوفها انزلاق البلاد في أتون حرب أهلية، وانقسامها على أساس طائفي، وسيطرة إيران عليها.
وقد كانت لدينا تحذيرات بشأن ما سيحدث، ولكننا برغم ذلك تركنا العراق في نهاية العام 2011 في أيدي حكومة منحازة بشكل كبير. وفي غياب أي تنسيق أمني إقليمي، أصبحت حكومة المالكي أكثر انحيازاً للمصالح الإيرانية، وهمّشت بشكل كبير المجتمعات السنية والكردية، ممهدة الطريق لما نحن فيه اليوم.
ومن الخطأ أن يزعم منتقدو إدارة أوباما «أننا ما كان ينبغي أن نترك العراق أبداً». وقد تناسوا أننا اضطررنا إلى ذلك بسبب «اتفاقية وضع القوات الأميركية» التي تفاوضت عليها إدارة بوش. كذلك من الخطأ أن يدعي المؤيدون «أنه لا شأن لنا بالعراق». فقد أصبحنا جزءاً من تاريخه شئنا أم أبينا، وقد ترتبت على حربنا واحتلالنا مسؤولية، وبعد كل الأرواح التي أزهقت والأموال التي أنفقت، لا يمكننا ببساطة التخلي عن العراق.
ويعني ذلك أن الولايات المتحدة ينبغي ألا تلتزم بأي دعم سياسي أو عسكري لحكومة المالكي، إذ إن سياساته الطائفية هي السبب في تفجر الأوضاع في العراق. والسبيل الوحيد للمضي قدماً هو تطبيق الجزء الأخير من تقرير «مجموعة دراسة العراق» ودعوة القوى الإقليمية لمعالجة الأوضاع في كل من العراق وسوريا. وقد أصبح مستقبل الدولتين أكثر ارتباطاً، ليس فقط لأن ميليشيات «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) متمركزة في كلتيهما، إنما أيضاً لأن دول الجوار الإقليمي لها مصالح مباشرة في نتائج هذين الصراعين.
لا يمكن لأحد أن يتحمل مزيداً من تدهور الأوضاع، وعلى الجميع أن يدرك أنه في النهاية لا يمكن لاستمرار القتال سوى أن يفضي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار والتطرف. وبالنظر إلى الواقع في العراق وسوريا، لا يمكن أن يكون هناك «منتصر ومهزوم». وعليه، لا بد من إيجاد نظام جديد يضمن حقوق كل المواطنين في الدولتين.
جيمس زغبي
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال