إنتفاضات الشعوب العربية في الذكرى الثالثة بين الأمل والواقع - د. عبد الحميد صيام

تمر هذه الأيام الذكرى الثالثة لانتصار الثورتين الرائدتين التونسية والمصرية، وانطلاق شرارة الثورات الأخرى في أكثر من بلد عربي في ما أطلق عليه عالميا مصطلح ‘ثورات الربيع العربي’.

لقد فتحت تلك الثورات شهيتنا لعالم عربي جديد، يشهد بداية فصل ربيع جميل يؤسس لميلاد عالم عربي حنون على أبنائه شديد على أعدائه، يستثمر خيراته في الإنسان ويوزع ثرواته على مستحقيها، ويبني مستقبلا لملايين الشباب الذين يبحثون عن لقمة عيش كريمة ولا يضطرهم شظف العيش الى أن يهاجروا ‘لبلاد برة’. عالم عربي يفتح حدوده لأبنائه ويغلقها أمام أعدائه. عالم عربي يقلع أشواكه بيديه ولا يستنجد بالغريب ليقهر أخاه القريب. عالم عربي يضم بعضه بعضا ويوحد جهوده ويضع إمكانياته لإعادة الاعتبار لقضية العرب الأولى التي همشتها أنظمة الفساد والخنوع.
عالم عربي يتجه نحو التنمية الرشيدة التي تستثمر في الإنسان أولا وفي استقلال الاقتصاد والفكاك من التبعية. عالم عربي يقوده شباب مثقفون واعون يعرفون علوم العصر ولا يضطرون لصباغة شعرهم كي يخفوا شيب الثمانين حولا أو أزيد.
عالم عربي يفتح المجال للإبداع والمبادرات وينصف المرأة ويدمج الأقليات وتصبح المواطنة المتساوية حقيقة لا حلما فلا يبقى فيه ‘بدون’ ولا مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة، ولا أحد يـُعرّف عليه بأصوله أو دينه أو مذهبه، بل بوطنه وأمته. لكن الحلم شيء والواقع الذي وصلنا إليه الآن شيء آخر.
بعد سنوات ثلاث تبدد كثير من الغيوم وانجلى الجزء الأكبر من عتمة الليل وتبين لنا أنه بمقدار ما كانت الثورات أصيلة وحقيقية إلا أن خيوط المؤامرات عليها كانت أكبر وبدأت تحاك من أول يوم من أعداء الأمة وممثليهم الأكثر تخلفا ورجعية وقمعا حتى لا يصلهم الطوفان.
ثورة أم مؤامرة؟
لقد انقسم الكتاب والمحللون حيال هذه الأحداث العظيمة إلى قسمين: قسم رأى فيها مؤامرة من أولها إلى آخرها ومن صناعة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية والفرنسية، تطبيقا لرؤية كوندوليزا رايس وجماعة المحافظين الجدد في نشر الفوضى الخلاقة لإيجاد شرق أوسط كبير وجديد مفكك ومتناحر على أساس طائفي، كي تظل إسرائيل ‘واسطة العقد’ أي القوة الرئيسية بلا منازع، ويستدل على ذلك بما نشاهده هذه الأيام في ليبيا وسوريا والعراق ومصر واليمن ولبنان.
والقسم الثاني كان يرى أن هذه الثورات أو الانتفاضات نتيجة طبيعية لوجود أنظمة فاسدة تستخدم العـنف والأجهزة الأمنية لإخضاع شعوبها وتحويل البلاد إلى مزرعة خاصة للحاكم وزبانيته وترتيب الأمور للتوريث والتفنن في خنق الحريات واستخدام اليد الحديدية في كل ما يعارض النظام، حتى أن المعارضة في بعض الدول أصبحت من صناعة النظام نفسه كنوع من الماكياج لتجميل وجهه القبيح.
لقد انتصر معظم الكتاب والمحللين في البداية لنظرية صدقية الثورة وحتميتها، ثم عاد قسم منهم وغيروا مواقفهم كلية، خاصة بعد الثورة السورية التي بدأت بالحراك الشعبي ثم انتهت الى ما هي عليه الآن، بعد أن تم إغراق الساحة السورية عن عمد وسبق إصرار بألف فصيل وفصيل لا علاقة لهم بالشعب السوري ولا بمعاناته وهمومه وآماله.
لقد اقتنعت منذ البداية بالنظرتين معا: أي أن هناك أسبابا موضوعية وحقيقية تدعو لانفجار الأوضاع، والغريب أنها تأخرت كثيرا، ولكن في نفس الوقت كنت أؤكد أن الطغاة لن يستسلموا من أول ضربة وأن أعداء الأمة التاريخيين وناهبي ثرواتها ومن زرعوا الطغاة وثبتوهم وحموهم لن يقفوا على السياج متفرجين ويشاهدوا ثلة من الحكام المحنطين والقتلة والمارقين يسقطون الواحد تلو الآخر والشعوب المقهورة تتحرر من مرحلة الاستعباد والقهر وتدخل مرحلة الحرية والكرامة والمساواة وسيادة القانون والمواطنة المتساوية والسيطرة على ثرواتها. وهذا ما حدث بالفعل، فمنذ انطلاق ثورات الحرية والكرامة بدأت المؤامرات لحرفها عن مسارها وتشتيت جهودها وقمعها بالقوة أو إغراقها بالتكفيريين والسيارات المفخخة.
وها نحن بعد ثلاث سنوات نرى ما يجري في هذا الوطن من ردة شبه كاملة على الثورات، باستثناء تونس رغم مشاكلها الجمة، إما عن طريق نشر الفوضى أو العنف المفرط أو التدخل العسكري المباشر أو الانقلابات العسكرية أو تعميم الساحة بالتكفيريين وأكلة لحوم البشر وجز الرؤوس ورجم الفتيات وهدم المعالم التاريخية، حتى بدأ الناس يعيدون حساباتهم ويقــولون آه لو بقينا تحت حكم الديكتاتور. ألم يكن أفضل لنا أن نعيش تحت حكم الطغاة بدل هذه الفوضى التي أدت إلى تدمير البلاد وتفتيت الشعوب وقتل الآلاف؟
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال